سلايدرقضايا المجتمع

حانات دمشق.. “المنتصرون” يقرعون كؤوس الوهم

في القسم الأخير من الشارع المستقيم الذي ينتهي عند “باب شرقي”، تعيش دمشق مجونًا أريد لها. هنا لا شيء يُذكّرك بخطوات القديس “بولس” الذي أرشدته رؤيا عاش تفاصيلها إلى عبور هذا الشارع، ودخول بيت حنانيا، ليصبح فيما بعد كنيسة من أقدم كنائس الشرق؛ فقد تحول الحي المقدّس، الذي كان يقص حكاية أقدم مدينة مأهولة عبر التاريخ، إلى مربّع ليلي، وتحولت بيوته القديمة، إلى حانات، ومراقص، تقدم كؤوس النشوة لمن يطلب نسيان هول الحرب، ويهرب من جوّها الخانق، إلى فضاءات مفتوحة على مخيلة تتجاوز مرارة الواقع.

بخلاف مركز العاصمة التجاري، حيث تقفل متاجر الصالحية والحمراء والجسر الأبيض أبوابها في وقت مبكر. ويلزم السكان منازلهم، وتفرغ الطرقات، ويسود هدوء لا يخرقه غير عواء ذئاب حكومية تنشط بحثًا عن فرائس ضالة لاعتقالها، تبدأ الحركة في الحي المسيحي القديم، عند التاسعة ليلًا. وعلى نحو لافت، يعلو ضجيج الموسيقى، ويتم تبادل الأنخاب بصحة قائد، تجاوز عدد ضحايا صراعه على السلطة، مئات أضعاف ما خسرته بلاده في حروبها الوطنية مع عدوتها التقليدية: “إسرائيل”.

قبيل منتصف الليلة الأخيرة من عام 2018، التي تميزت بشدة برودة جوها الشتائي، توقفت سيارات ذات دفع رباعي، فارهة، وترجلت منها مجموعات “فتيات وشبان بكامل أناقتهم” تمثل الطبقة النافذة في البلد (أبناء مسؤولين في السلطة، وأبناء ضباط كبار في الجيش الحكومي، وأفراد من الطبقة الثرية حديثًا) توجهت على عجل إلى حانة معتادة، وسرعان ما انخرط أفرادها ضمن حلقة خلاص راقصة، على إيقاع غربي، توزعت البيوت السكنية المجاورة صداه الصاخب.

وفق المقاييس المعتمدة هنا، يبدو من الواضح أن سورية التي دمّرها الأسد قد “انتصرت”، وفوتت الفرصة على أولئك الذين خرجوا في مطلع عام 2011 إلى الشوارع مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة، لشعب لم يذق، منذ أن تسلم البعث في عام 1963 زمام السلطة، طعم الديمقراطية، والرفاه الاجتماعي، والحياة الحرة الكريمة، ويزيد بعضهم أن الانتصار الفعلي هو صمود النظام، واستمراره وعدم سقوطه، مع أن أجزاء واسعة من البلاد سقطت، وتسيطر عليها الآن قوات أجنبية متعددة الجنسيات يتم تجاهل أمرها، كما لو أن هذا الاحتلال كائن في بلاد أخرى.

يكشف المقياس الآنف حجم التغيرات التي شهدها المجتمع، ومن الملاحظ أن الحرب التي استثمر فيها الأسد خلفيته الطائفية، للتغلب على المعارضة المحلية، أفقدت المجتمع توازنه، وأضعفت روابطه الوظيفية، كما مزقت نسيجه الاجتماعي، وأدخلته في صراع مصالح وقيم متنافرة تطور -وفق ما خُطط له- إلى صراع إرادات بين جماعتين مختلفتين، من حيث الرؤية والفكر وأنماط السلوك.

علينا، في هذا السياق، ألا نصرف النظر عمّا يجري، أو نقلل من خطورة ما يتم تداوله هنا؛ فالانقسام الذي يحمل بذور العداء والكراهية، بين فئة تؤيد الحرب ومخرجاتها، وهي شبكة مصالح مستفيدة وداعمة للنظام، وفئة متضررة تم استهدافها، بسبب ميولها الواضحة للحرية والعدالة وتداول السلطة، إنما يشكل علة، لها ثقلها وتأثيرها المجتمعي، ومن المحتمل انحدارها أكثر، في ظل السياسات التي يعززها وجود الأسد، نحو أدوار جديدة من السلوك السيئ والعلاقة الاجتماعية المضطربة.

في المربع الليلي، ذاك، لا قيمة لهذه المخاطر. فالكلّ هنا يبحث عن اللهو والمتعة، والمصالح، والرفاهية المصطنعة، بعيدًا من عذابات آخرين، يتجرعون الموت ببطء. ومع ذلك، لا أحد من الذين أثروا حديثًا، وطوقت أعناقهم عطاءات النظام ليدعموا حربه ضد الشعب، يقتنع بفضائل الأسد، وبقدرته على إعادة السلام والطمأنينة، واستقرار الاقتصاد، والمضي نحو الرخاء. وقد سبق لـ ماركو دجوریكا (مراسل رويترز) أن قيّم الموقف بحيادية، ووجد أن تحدي الانتعاش الاقتصادي البطيء سوف يدفع حتى الشباب الذين يستمتعون بالحياة الليلية، إلى التفكير في مغادرة البلد. ونقل عن رشا (30 عامًا) قولها: “أحبّ الحانات والحیاة اللیلیة، لكني في النھایة أودّ أن أخرج من سوریة.. لا أرى مستقبلًا ھنا”. وأضافت: “عندما كانت الحرب وكانت القنابل تسقط كل یوم، لم أكن أرغب في المغادرة. أما الآن، فنعم”.

ترتب وجهات النظر المتناقضة، والأدوار المتنافرة، والسلوك النفعي، تحديات إضافية داخل بنية منهارة؛ فالفئات التي تراهن على بقاء الأسد، بفضل دعم حلفائه وديمومة نظامه، إنما تتجاهل جوهر المشكلة، في أنه يمثل الجزء الأكبر منها، وأن استمراره في السلطة لن يعيد كأس الكريستال الذي تحطم على يديه إلى سابق عهده، وكذلك السلم الأهلي. وسيكون من الصعب وقف تصدعات المجتمع، والحد من تمزق نسيجه، وتفكك علاقاته، من دون عدالة انتقالية، تمنح الذين تضرروا الأمل ببزوغ فجر آخر.

إن غواية السهر في حانات الحيّ المقدس، التي تستقطب في كل يوم نماذج نخبوية، مدنية وعسكرية وتجارية، ذات ملاءة مالية، كدلالة على نمط مستجد من الترف والرفاه، فيما تعاني معظم العائلات السورية فقدان أبسط أساسيات الحياة، مع وصول المرحلة العسكرية من الصراع إلى نهاياتها، كل ذلك لا يعني -وفق الباحث والمستشار ألیكسي خلیبنیكوف- أن الجزء الأكثر تعقیدًا من الحرب السوریة قد انتھى، وإنما العكس: دخل الصراع الآن مرحلة أكثر صعوبة، ستضطر فیھا الأطراف إلى التعامل مع القضایا الأكثر حساسیة وخطورة على الإطلاق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق