تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل يُعيد ربيع السودان ألقَ الربيع العربي؟

ما إن وطئت أقدام الجنرال العجوز عمر البشير أرضَ مطار الخرطوم، عائدًا من زيارته إلى دمشق، على متن طائرة روسية اختصرت الكثير من التحليل حول هدف الزيارة؛ حتى كان الشعب السوداني له بالمرصاد، وكأن حالة الاحتقان التي يعيشها هذا البلد العربي كانت بحاجة إلى شرارة كي تشعل النار في الهشيم.

سطا البشير على السلطة في السودان بانقلاب عسكري على سلطة شرعية منتخبة ديمقراطيًا، بعد أن أطاح الجنرال سوار الذهب، حُكمَ الجنرال النميري، حين أعلن وقوف الجيش السوداني إلى جانب الشعب وقواه السياسية ونقاباته المهنية، وكأن قدر السودان أن يظل مترنحًا بين انقلاب عسكري وآخر، ليصادر العسكر حرية شعبه وقواه السياسية، منذ الانقلاب الأول الذي قام به الفريق إبراهيم عبود، عام 1958 الذي أسقطه الشعب السوداني، بعد ست سنوات من حكمه الجائر والقمعي، لتتشكل لاحقًا حكومة مدنية، تولى رئاسة الدولة من خلالها الصادق المهدي (حزب الأمة) ثم أطاحها من جديد جعفر النميري عام 1969 الذي اتسم عهده بالقمع ومعاداة القوى الديمقراطية واليسارية السودانية، وبتفاقم الأزمة الاقتصادية للسودان حينذاك، وارتفاع نسبة ديونه الخارجية، وعجز حكومته عن أداء هذا الدَين، وزاد الطينَ بلةً إصدارُه لقرارات مثيرة للجدل حينذاك، كتطبيق الشريعة الإسلامية والعمل على فصل الجنوب، وكل هذا بغية تفجير الصراع في السودان عمومًا، وفي الجنوب على وجه الخصوص، الأمر الذي أدى إلى رفض قرارات النميري، وعمّق قناعات الجنوبيين بالانفصال عن الجسد السوداني، حيث تأكد لاحقًا أن النميري لجأ إلى كل هذا من أجل الهروب إلى الأمام، لكنه فشل بالنهاية، وجاءت حادثة تهريبه ليهود (الفالاشا) إلى دولة الكيان الصهيوني، لتجعل الكأس يفيض، حيث اجتمع قبل تنفيذ هذه العملية كل من النميري، وأرئيل شارون، وتاجر السلاح السعودي عدنان خاشقجي، وسُميت العملية بعلمية (سبأ) حيث يكون السودان محطة في عملية التهجير والترحيل إلى “إسرائيل”.

إن المقارنة بين حُكمَي النميري والبشير تجعلنا نماهي بينهما إلى حد بعيد، وذلك من خلال تقارب النهجَين في إدارة شؤون الحكم والتعامل مع مكوّنات الشعب السوداني الإثنية والدينية، عبر إقصاء الآخر وعدم الاعتراف به، ومحاولة فرض الشريعة الإسلامية على الآخرين، والوقوف بوجه القوى المدنية في الشمال والجنوب، التي سعت كثيرًا لقيام حكم مدني، يفضي إلى دستور جامع يكرس مفهوم المواطنة والانتماء إلى الوطن السوداني الواحد (إن انفصال الجنوب عن السودان هو خيانة عظمى ارتكبها حاكم السودان الأرعن) أضف إلى ذلك سمة القمع والاستبداد والفساد، من خلال عقلية منغلقة لم تلتفت إلى خصوصية الحالة السياسية في السودان وقدرة قواه المدنية على التجمع والانخراط في تحالفات عملية مجربة قادرة على أن تطيح العسكر عند كل مرة.

إن الاحتجاجات التي عمّت السودان لم تكن الأولى في عهد البشير الذي قاربت مدة حكمه 30 عامًا، وهي أطول مدة حكم لحاكم سوداني، منذ استقلال السودان عام 1956، وقد تفرّد برئاسة السودان وترؤس حكومته لغاية 2 آذار/ مارس 2017، من خلال نزعة شمولية وسطوة مطلقة لحزبه حزب المؤتمر الوطني، الذي لم يكن اسمًا على مسمى، يومًا! حتى إن نظام البشير أقصى حسن الترابي “رئيس الجبهة القومية الإسلامية” بل سجنه، وهو الأب الروحي لانقلابه على حكومة المهدي المدنية وتوجهاته الفكرية.

إن المتابع لانتفاضة الشعب السوداني التي تفجرت يوم 19 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، يلحظ أن هذا الشعب العظيم مصمم على كنس نظام عجز عن الوفاء بعهوده التي قطعها أكثر من مرة، دون البر بأي منها؛ فسعر رغيف الخبز ارتفع من جنيه إلى ثلاثة جنيهات، مع ندرة مادة الدقيق وارتفاع أسعار المحروقات والأدوية، وانتشار البطالة، وغياب السيولة النقدية في المصارف، وانسداد الآفاق أمام العيش الكريم للغالبية العظمى من السودانيين.

ومن يتابع خطاب البشير وآلته الإعلامية يجده يغذي السير على خُطا نظام بشار الأسد، حيث إن من يتظاهر هو “خائن” على حد زعمه، وإن هناك “مؤامرة” ضد السودان! بل ذهب رئيس جهاز أمنه إلى اتهام جماعة عبد الواحد نور (قائد حركة تحرير السودان) باندساسهم بين المتظاهرين والقبض على مجموعة منهم، وهم يصنّعون قنابل! بل ذهب أبعد من ذلك، عندما اتهمهم بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي، وقد أثار الاستغرابَ والتّندر لدى المواطن السوداني الذي يعلم جيدًا أن رئيس جهاز الأمن السوداني المدعو “صلاح قوش” هو من المتعاملين مع “إسرائيل” منذ زمن بعيد.

إن تزييف الحقائق وتشويه جوهر انتفاضة السودانيين المستمرة هو ديدن النظم الدكتاتورية، وما اللجوء إلى عناصر الحماية الشعبية (وهو اسم العناصر الموالية للنظام التي تتبع قواعد حزبه، وتماثلها عصابات الشبّيحة في سورية) التي انتشرت على أسطح البنايات، وقنصت المتظاهرين، سوى رسالة تهديد من الدكتاتور لأحرار السودان وحرائره، خاصة أن الخناق يضيق عليه، وكذلك عجزه عن زج القوات المسلحة السودانية بمواجهة شعبها، وهي التي انحازت إليه، عندما أسهمت بخلع النميري عام الـ 1985.

إن السودان على عتبة تغيير كبير، ونجاح ثورة شعبه سيشكل رافعة جديدة لربيع عربي جديد، فالأنظمة الفاسدة والمستبدة ليس لديها شيء تمنحه للمتضورين جوعًا، سوى وعودها الفارغة ورصاص غدرها حين تدق ساعة الثورة، وأما الشعوب فلن تخسر بانتفاضاتها سوى أغلالها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق