سلايدرقضايا المجتمع

الأيديولوجيا العلوية

لا يوجد أي نقاشات لاهوتية ظاهرة للعلن، حول تطورات الديانة العلوية المنشقة والمشتقة من الإسلام والأفلوطنية المحدثة، سوى انقسام الديانة العلوية إلى كلازية وحيدرية، وما يهمنا أنّ هذه الديانة الغنوصية التأويلية قد مرت بفترات من العزلة والخوف والاضطهاد والاحتقار، جعلتها ديانة سرية لها طقوسها وأعيادها ضمن الطائفة العلوية.

من حق حامل العاطفة الدينية، شأنها شأن أي عاطفة إنسانية، أن يعتقد بما يشاء ويفرح كما شاء، ما دامت هذه العاطفة لا تُشكل انتهاكًا واعتداءً على الآخر الحامل عاطفة دينية أخرى، ولم يعد مهمًا اليوم البحث عن جذور الاضطهاد العثماني للعلويين، ولا عن أسباب هجوم العلويين على اللاذقية ونهبها سنة 1866، ولا عن الخلافات الإسماعيلية العلوية التي تطورت إلى قتال وحرب عصابات وحرق قرى، ولا عن أمر الباب العالي بشنق المتمردين من العلويين وحرق بيوتهم، ولا عن ثورة إسماعيل خير بيكن ولا حتى عن ثورة الشيخ صالح العلي على الفرنسيين.

أقول: لم يعد مهمًا البحث أو النبش في تاريخ العلويين، لاعتبارات عديدة أهمها أنّنا نتحدث عن فترات تاريخية، كانت سمة العالم الشرقي فيها الفتن والحروب والمجاعات وصراع الحاجات، بله أننا نتحدث عن مجتمعات غير راشدة وغير متمدنة، وكانت لغة العنف هي الطريق الوحيدة التي تسلكها الجماعات، سواء أكانت أقليات أو أكثريات.

ما يهمنا اليوم التطور الحقيقي، أو لنقل القفزة الكبرى في تاريخ العلويين، ومن سوء الطالع أنها لم تكن قفزة أبستمولوجية تتعلق بتطور الديانة العلوية أو تحديثها، كما حدث في الديانة الإسماعيلية، وإنما في وصول العلويين إلى مراكز الحكم والقرار في دمشق، ونعني هنا وصول الأسد إلى رأس السلطة في سورية، هنا نستطيع القول إنّ الديانة العلوية قد خضعت لتحول كبير ورهيب في تاريخها الحديث، وتحوّل الأسد إلى مُخلِّص لهذه الطائفة، وأصبحت مواقف الرجولة والاعتزاز التي يتخذها تستدعي لدى أبناء الطائفة كل ذكريات مواقف الذل التي تعرضت لها في تاريخها، وأصبحت كلماته وخطبه تراتيل الصلاة العلنية، لقد كان حافظ الأسد، بالنسبة إلى العلويين، كموسى بالنسبة إلى العبرانيين، وكما أنّ التاريخ لا يصنع الإنسان، بل الإنسان هو من يصنعه، فإنّ حافظ الأسد أدخل العلويين في عملية تاريخية معقدة، ستكون جزءًا من صناعة سورية ومستقبلها.

نستطيع الجزم أنّ الأسد استطاع تحويل الديانة العلوية إلى أيديولوجية علوية، هذه الأيديولوجية هي مكمن قوة النظام السوري وصموده وانتصاراته على كل التمردات أو الانتفاضات أو الثورات التي وقفت في وجهه تريد زعزعة حكمه، استطاعت هذه الأيديولوجيا تنظيم نفسها جيدًا، بطريقة واعية وغير واعية، فكل علوي مؤدلج يرى أنّ أي تمرد على الأسد هو تمرد عليه، وكل شتيمة على رأس النظام هي شتيمة عليه؛ وهو ما يجعل العلوي في حالة نشاط سلطوي دائم، وأصبحت صلاة العلوي وتقديساته ليست لعليّ وآل بيته، بل في أقبية الفروع وساحات الإعداد القتالي لكل المتربصين بالأسد وحكومته.

الأيديولوجيا العلوية أيديولوجيا مُنظمة، تراتبية، فيزيقية، منضبطة، حميمية، تملك عقل دولة، مترابطة، ذكية. أما الأيديولوجيات الإسلامية التي تمردت على الأيديولوجيا العلوية فهي أيديولوجيات فوضوية، ميتافيزيقية، مزاجية، غامضة، مفككة، لا تملك عقل دولة، غبية.

إنّ أي صراع يحتاج إلى أيديولوجيا، فكيف إذا كان حربًا من أجل السلطة أو دفاعًا عن السلطة! إنّ أهم عوامل النجاحات والانتصارات في الثورات هو الأيديولوجيا، كل صراع مسلح يحتاج إلى أيديولوجيا، وكل الثورات تحتاج إلى أنبياء وشياطين حتى تنتصر، كان لينين شيطان الثورة البلشفية وتروتسكي نبيّها، كان روبسبير نبيًا للثورة الفرنسية مع مئات الشياطين، في الثورة السورية كان لدينا أنبياء، ولم نجد شيطانًا واحدًا، كانت الأيديولوجيا العلوية أكثر تماسكًا وقوة وتخطيطًا وذكاء من أيديولوجيات الثورة التي اتصفت بالجنون والغباء والحماس غير المنظم.

كان يتداول في الثقافة الغربية المسيحية مصطلح عن الأفكار التي تقود الشباب إلى الإلحاد في الغرب، بأنها أفكار تفسد الشبيبة، لقد كان حافظ الأسد يقظًا وحريصًا على عدم فساد الطائفة العلوية، ولذلك كانت ضربته للإسلاميين وللشيوعيين على السواء، حتى اليوم لم تقدم النخبة السورية تفسيرًا مقنعًا عن سجن الأسد مئات العلويين الملحدين، إذ تزعم النخبة السورية المعارضة أنّ الأسد سجن الشباب العلوي الشيوعي، ليقدم برهانًا على عدم طائفيته، وهو يقدم الإسلاميين إلى المشانق، ربما يكون هذا هدفًا ثانويًا من أهداف الأسد، إلا أنّ الهدف الاستراتيجي الكبير للأسد كان في منع أفكار التنوير من اختراق المجتمع العلوي، سواء كان إلحادًا أم نزوعًا نحو الأنسنة والتمدن، لقد حوّل الأسد مجتمع العلويين إلى مجتمع أسبرطي، فكانت الكليات الحربية والجوية والبحرية ملاذ الشباب العلوي وحلمه الذي تبرمج عليه، فالأسدية تحتاج إلى من يحميها ولا شيء يحميها مثل السلاح والمدفع والطائرة!

إنّ من أعظم مهمات المثقف اليوم تفكيكَ السلطة الدكتاتورية، هذا التفكيك لا يحتاج إلى مهارة فحسب، بل إلى أخلاق كذلك، وإذا كان نظام الأسد قد حكم ونفذ حكم الإعدام بمئات آلاف السوريين، وإذا كانت الجماعات الإسلامية المسلحة قد ساهمت في تقويض حرية السوريين، وإذا كانت ميليشيات الأكراد المسلحة قد ساهمت في تعكير مشروعية الحقوق التاريخية والثقافية لأكراد سورية؛ فمن المؤكد أنّ دورنا ليس أن نمارس الإعدامات النظرية لبعضنا، بل يجب أن تكون مهمتنا، ونحن نفتح الجروح ونشق تكويناتنا الإثنية والطائفية والدينية، هي بقصد التداوي والتطبب، يجب إعادة العلويين إلى علويتهم كمكون ديني وثقافي. وقد أصبح تفكيك الأيديولوجية العلوية بابًا لتفكيك السلطة الطاغية في سورية، والشغل على الذهنية التي قادت العلوي إلى تقبيل يد الأب المؤسس لهذا الخراب المادي والمعنوي والديني، لخلق ذهنية علوية تكسر هذه الوثنية السياسية التي هيمنت على الأيديولوجيا العلوية، وهي -لعمري- أخطر ألف مرة من الوثنية الشركية التي قادت ابن تيمية إلى تكفير العلويين.

من حق العلويين أن يمارسوا الطقس الذي يريدون، ويقدّسوا الإله الذي يريدون، ويسبحوا بحمد من في السماء أم في الأرض، أو يكفروا بآلهة الأرض والسماء، ولكن من حق سورية عليهم ألاّ يكونوا حطبًا لآل الأسد، ومن حقهم علينا ألا نسمح باستعبادهم، وهم شركاء لنا في الأرض والطريق والمصير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق