أدب وفنون

ليس لأن الحجرَ قاسٍ.. النحت حدس واستشعار قائم على المعرفة

فكرٌ وفعل، والفكرُ وجودٌ يتولَّد من الفعل. هكذا يختلِق النحات السوري عبد الرحمن مؤقت عمله النحتي من فكرٍ وفعل. وهو يرسم أجسادًا، ينحتُ أجسادًا عديمة اللون، وقوَّية، عضلاتها مفتولة كما في عمله المنصوب في ساحة سعد الله الجابري بحلب، فلا نرى التعب أو الوهن عليها، ولا هي مُستغرقة في العُصاب، فنرى توترها وقلقها وكموناتها. الجسد عند عبد الرحمن مؤقت فيه دماغ، يُفكِّر، ترى منحوتاته وهي في حالة (تفكير) لأنَّها لا تريد أن تبلى أو تتلف. جسدٌ ودماغ، دماغ وجسد يأمران بعضيهما فنرى تلك الوضعيات/ الأوضاع الجسدية التي تقوم عليها منحوتاته، وهي فوق الأرض تحت ضوء الشمس أو القمر.

قد نلمس عُنفًا في أعمال عبد الرحمن مؤقت، ليس لأنَّ الحجر قاسٍ، ولكن لأنَّ ضربات إزميله/ يديه هي القاسية في التعامل مع قوَّة أوردة الفعل القوية للحجر، وهذا ما يكشف سيكولوجيا أعماقه، فهو ينحت بكل طاقته الانفعالية الجسدية كمن يخلق، فنرى عواصف جنونية قاسية وخطرة ونحن نتحسَّس مادته، فنشعر بوخزات إبرهِ وكأنَّه في حمى فكرية. هو لا يعذب أجساد شخوصه، هو مَنْ يتعذَّب. سرٌّ ملحمي يشُدُنا إليه؛ إلى عمارته النحتية؛ عمارته الفكرية.

عبد الرحمن مؤقت يذهب إلى السلام، رغم أجواء الحرب، بين الصورة/ الشكل والواقع. قد يُغلِّف بعض أعماله بقشرةٍ باردة، كون السلام لا يعنيه، طالما الحرب مستمرة، ذلك ليكشف في جوانب أخرى من عمله عن (نوى) ملتهبة، تلتهب بـ الحرية/ للحرية. عبد الرحمن مؤقت فنانٌ ناري ذو لهبٍ ثاقب. هو لا يجمع رملًا، هو ينحت صخرًا، أو يُشكِّل طينًا ينزع نحو سماءٍ أكثر علوًا، نحو إنسانٍ لا يعيش في هذه المدارات الجنونية، ولا يُعامل كحشرة.

في معمله؛ وهو يعجن التراب الثقيل ويُطيِّع الصخر القاسي، تراه يحاول أن ينشر أرواحًا في المكان، أرواحًا تصير مادةً تجذبنا، لنتلمَّس خصبها بحواسنا، وقد نحسُّ بطعمها المالح أو الحلو وربَّما المُرّْ. فالصخر كما الطين فيه طاقة فنية. وعبد الرحمن مؤقت يُصعِّد الحياة في هذه الطاقة ويحولها إلى صورة، إلى أشكال متغيِّرة، متحوِّلة حسب حالنا. فنذهب نحو التكتل والالتحام. فالمنحوتة يجب أن تنشر عبيرًا روحيًا، لأنَّه في أعماله يغوص داخل الجسد كي يطلق أنَّاته، شهقاته، فيضعنا في صورٍ حسيَّة مُحرِّكة، مُتحرِّكة. ما يعني أنَّه يتخذ موقفًا بصريًا فيه كسرٌ واستكشاف. لأنَّه حين ينحت أو يرسم تراه يضغط على القماشة أو على الحجر، كي ينبثق دمه الإيقاعي، ويصير أكثر مرونة ورقَّة، لتشتغل فيه ومضات الفكر.

إنَّ النحتَ -عند مؤقت- حدسٌ واستشعار قائم على المعرفة. فهو عندما ينحت يقوم برسم وجه/ جسدٍ يترك ظلًا، والظل ليس ظلامًا نراه في تجاويف الجسد المنحوت، كلاسيكيًا كان أو تجريدًا، يُخزِّنُ فيه مؤقت شجنه، أو يُخفي سكِّينه، وخاصةً عمله المنصوب في ساحة سعد الله الجابري بحلب، وقد وقف ضدَّه مدير أوقاف المدينة؛ وطلب أن يستره! إنَّ الفنان حين عرىَّ التمثال فقد أراد أن يُزيل عنه ثياب التوحش. فالجسد يقوم بممارسة أدوار اجتماعية؛ بأجزائه؛ بأطرافه الصلبة والليِّنة، الخشنة والناعمة، المُتجهمة والمُشرقة. الجسد عند مؤقت جسدُ فكر -كما ذكرنا- وليس جسد غرائز. هو جسدٌ موضوعي، وجسدٌ ذاتي/ ذاتنا المنكوبة بـ (لاءات) الأيديولوجيا الدينية والسياسية. فتراه حتى في تجريدياته جسدًا مُصابًا بجراحٍ عميقة، شكله يعكس محتواه، أعماقه، فنلمس وجدانه الشاعري، حسَّه الذي يشتغل به أعماله، وقد اكتسى بتلك الروح الصوفية، فحرَّك الحجر، حرَّك الجامد، فنرى جمال الأجساد ورقَّتها وقوَّتها، على الرغم من أنَّها حجرٌ يحيلنا إلى القسوة.

هذا الفنان السوري يذهب في منحوتاته -كما في رسوماته التي نرى آثار النحت فيها- إلى تقديم رؤيةٍ تحريضية لطبيعةٍ ليست حيادية، ولإنسانٍ فاعل، يعطي الرسم قوَّة روحية، كونهما صورًا لمشاعرنا وأفكارنا، فنرى –بالتدقيق- خطوطًا مُقطَّعة ومنكسرة، ممتدَّة ومنحنية، مُخدَّدة ومخطَّطة، نرى وجوهًا، أذرعًا، سيقانًا، ومراتٍ سطوحًا، إنَّما شديدة التأثُّر؛ متوهجة، تحمل أسئلة وأسئلة، لكنَّها وجوهٌ ما تزال تُفكِّر.

نحن مع جُهد، إثارة، استجابة، عناق، التحام، منحوتة منتصبة، منصوبة تجتذب المكان أو تجذبنا إليه في المكان، فندخل في فضاء فيزيائي ثمَّ إلى فضاء روحي، من مكانٍ مُغلق إلى مكان مفتوح، فيُشغِّل أحاسيسنا، حاستنا البصرية، اللمسية الجلدية، فتصطَّف أمامنا صورٌ كثيرة كانت كامنة في اللاشعور.

نحن مع منظر بصري في هذه المنحوتة أو تلك، صورة مُتشكِّلة من اصطدام حواسنا، صورة (صيرورة) مستمرة، صورة ليست غريبة ولا هي شبحية: تمثال جامد ولكنَّه يتحرَّك؛ الحركة؛ الحركات كامنة فيه تتوسَّع وتتمدَّد في المكان المزروع فيه. إنَّها أحاسيسنا تولِّدها أعماله، أحاسيس ليست عبثية، هي من تصادمات وتقاطعات سببية شكَّلت موقفًا بصريًا من هذا الخراب/ الدمار الذي لحق بالبشر. فما عادت العلاقات بين الناس علاقات حُبٍ ولطفٍ ورفق، بل علاقات صداماتٍ وعنفٍ وقتل؛ مجازر، حروب ومجاعات يُقيمُها البشر للبشر، إنسانٌ يسحقُ إنسانًا. وكأنَّ الإنسان صار غير واعٍ لانحطاطه واهترائه، فينسحب من هذه الأرض الواسعة الممتلئة بـ (الجمال) ليعيشَ في مواخيرِ الغرائزِ الداعرةِ والقذرة، فَنَتَحِد بالعَدمِ المُطلق لا بالوجود.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق