تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تسريح مئات الضباط في جيش النظام

سرّح النظام السوري مؤخرًا المئات من الضباط العاملين في جيشه وقواه الأمنية، وهناك من يرى أن للروس دورًا مهمًا في ذلك، حيث تشير معلومات من داخل الجيش إلى تسريح أكثر من 450 ضابطًا في قوات النظام، خلال الأشهر القليلة الماضية، أغلبهم برتب عميد وعقيد، وهؤلاء الضباط ممن أشرفوا على العمليات العسكرية ضد المعارضة وحاضنتها الشعبية، ولم يظهروا في الإعلام ولم يشتهروا، كسهيل الحسن وغياث دلّه. ومُعظم عمليات التسريح كانت لـ “أسباب صحية”، تتعلق بإصابات أثناء العمليات العسكرية، إضافة إلى اعتقال العشرات منهم، وزجهم في سجون النظام.

أثيرت تساؤلات عدة حول من يقف وراء هذه التسريحات: هل صدرت الأوامر من القصر الجمهوري أم من الجيش وقواه الأمنية، وهل للروس دورٌ ويتحكمون في كل شيء؟ وما دور إيران ضمن السياق ذاته؟

العميد السوري المنشق وعضو هيئة التفاوض إبراهيم الجباوي قال لـ (جيرون): “بعد دخول روسيا دخولًا مباشرًا أواخر عام 2015؛ لاحظ الجميع أن جيش النظام عمومًا وشبيحته ومن يوالونه جميعًا، سواء أكانوا مدنيين أم عسكريين، ولا سيما فئة الضباط من العسكريين، انقسموا قسمين: قسم يؤيد إيران، وقسم يؤيد روسيا، ومن المعلوم -والكل يدرك ذلك- أن أي مبادرة لحل المسألة السورية سياسيًا، كانت إيران تقف عائقًا وتعرقل هذه المبادرة، لذلك كانت تموت في مهدها، ومن المعلوم أيضًا أن روسيا منذ بداية عام 2017 بدأت تسيطر على القرار السوري، حيث بات بشار الأسد بلا سيادة حتى على نفسه، ولم يعد قرار الحرب والسلم بيده.

وأضاف: “بعد أن استفحل الانقسام في صفوف ضباط بشار الأسد، وذهب القسم الأوفر باتجاه روسيا؛ بدأت روسيا تتغلل في مفاصل الدولة، ولا سيما مؤسسة الجيش، وبدأت بقصقصة جناح القسم الموالي لإيران، وبالتالي بدأت بعزل هؤلاء الضباط، ولا سيما في ظل موجة من الترفيعات المخزية التي انتهجها نظام بشار الأسد لضباطه الذين كانت ترفيعاتهم أوتوماتيكية من دون أن يوجد لهم الشاغر، وبالتالي كنا نرى أن الضابط يرفع رتبة أو رتبتين مباشرة، قبل أن ينهي المدة، لذلك امتعضت روسيا من هذا التصرف، ولا سيما أن هؤلاء المرفعين كلهم أياديهم موغلة بالدماء، وبالتالي أبعدتهم روسيا، واعتقلت من هو أكثر خطرًا على النفوذ الروسي، من الموالين لإيران، وسرّحت قسمًا كبيرًا من هؤلاء تحت مسميات عدة: انتهاء مدة الخدمة، بلوغ سن الستين، إصابة أثناء الحرب، وما شابه ذلك”.

وتابع: “الحقيقة أنه تم عزل هؤلاء الذين يعرقلون المسيرة الروسية في سورية أو يناوئون الاحتلال الروسي، ولكنهم يؤيدون الاحتلال الإيراني، وروسيا تستبق كل هذه الأمور التي قد تسبب إرباكًا لها أمام المجتمع الدولي، وبالتالي تسعى لإيجاد حل، ولو على حساب الشعب السوري. وطبعًا نحن لا نرضى بهذا الحل الذي لا يلبي طموحات الشعب السوري، بأي شكل من الأشكال، لكن روسيا تتفق مع المجتمع الدولي على ذلك، ونحن ما زلنا في ثورة، والثورة فكر والفكر متجدد ومتجذر أيضًا، لذلك لا نعترف بأي حل لا يرضي أو لا يلبي تطلعات الشعب السوري، ولو بالحد الأدنى، وكما قلت إن روسيا تسعى جاهدة لبسط نفوذها كاملًا، ووضع يدها على  مفاصل الدولة، ومن هذا المنطلق، بدأت التسريحات والاعتقالات وما إلى ذلك”.

العقيد السوري المنشق أحمد الحمادي قال لـ (جيرون): “تصدر في كل عام نشرتين بخصوص الضباط، في الأول من تموز وفي رأس السنة، تحتوي الترقيات للرتبة الأعلى وفق المعطيات المعمول بها، والتسريح لإنهاء الخدمة وفق العمر لكل رتبة، فمثلًا سن 56 لرتبة العقيد، فمن تجاوز هذا السن يتم تسريحه لكون الحد الأقصى للرتبة 8 سنوات، فمن أمضى هذه السنوات ولم يرقّ إلى الرتبة الأعلى يُسرّح، وكذلك يُسرّح الضباط لأسباب صحية، وفق قرار يصدر من المجلس الصحي العسكري، يحدد نسبة العجز، وكذلك يتم التسريح لأسباب أمنية، وما أكثرها حسب التقييم الأمني للضباط، ويندرج تحت هذا البند من لم يوافق سياسة النظام، ولو بالشكوك، وكذلك يتم تسريح ضباط لأسباب مهنية وقضائية وفق ترتيبات قضائية، أو توصيات القادة، وهناك أسباب كالطرد من الخدمة، بسبب جرم شائن أخلاقي: سرقة، خطف. إلخ، وهناك استغناء عن الخدمة من دون سبب”.

ونبّه أخيرًا إلى أن “الروس يعيدون حاليًا هيكلة الجيش مع الضباط الموالين لهم، فيتم استبعاد الضباط المشكوك بهم، ويتم تسريحهم أو نقلهم إلى قطعات غير مهمة، بعد تفتيش للقطع العسكرية أو تقييم يتم اعتماده من قبلهم”.

أما العقيد عبد الباسط الطويل فله رأي مختلف، وقال لـ (جيرون): “لا شك أن الروس يمسكون بالقرار السياسي والعسكري السوري، وكل المؤسسات، سواء أكانت أمنية أو عسكرية، تخضع لسلطة (ألكسندر زورين) العميد في القوات الروسية، وهذا ما أنا متأكد منه، ولكن موضوع أن تشكل هذه التنقلات أو هذه التسريحات أمرًا جللًا، فهذا ما هو غير الطبيعي”. وأضاف: “هذه التسريحات لا تمتّ إلى شيء، وأعتقد بالنتيجة أنه ليس من هنا ستؤكل الكتف، ربما تكون هناك معادلة عسكرية تنظيمية قادمة، وتكون أقرب إلى الحل أو الخروج من الوضع الراهن، ولكن لا علاقة لهذه بتلك”.

من جهة ثانية، قال الرائد والمحلل العسكري طارق عبد الهادي حاج بكري لـ (جيرون): “لقد توقف نظام الأسد خلال أعوام الثورة عن تسريح الضباط الذين يثق بهم، ويستطيع الاعتماد عليهم في حربه التي شنها على الشعب السوري، الذي خرج مطالبًا بالحرية والكرامة وإسقاط النظام، وقد وصل قسم كبير منهم إلى سن التقاعد خلال هذه الفترة، وفقًا للقوانين العسكرية والتعليمات الناظمة، وقد تم التمديد لمعظمهم عدة سنوات، وخاصة الذين كان لهم دور بارز في المشاركة بعمليات قمع الشعب وقتله. وتعرض عدد كبير منهم للإصابة، وأصبحوا عالة على الجيش من ناحية، ومن ناحية أخرى أصبحوا يظنون أن لهم حقًا ويجب أن يكون لهم شأن. مع العلم أن النظام -خلال هذه المرحلة- قام بتسريح عدد من الضباط دون التمديد لهم، أو قبل حتى انتهاء مدة خدمتهم، وتعرض بعضهم للتسريح بعد ذلك، وهؤلاء في غالبيتهم من الضباط السنة، وبعضهم توفي في السجن، نتيجة التعذيب، وبعضهم أعدِم رميًا بالرصاص، وذلك من أجل تنقية صفوف جيشه من أي خطر محتمل”.

ورأى أن نظام الأسد “اعتاد، خلال المرحلة السابقة، وخصوصًا بعد حرب تشرين وأحداث الثمانينات، التخلصَ من كل الضباط الذين يُحتمل أن يرفعوا صوتهم، أو يظنون أنهم قد أصبحوا بمستوى يخولهم حق النقد لمقام الرئاسة، أو الضباط الذين كان لهم تواصل مع الخارج كروسيا وإيران. وهو يُحاول الآن استبدال هؤلاء الضباط بضباط آخرين، كانوا مرؤوسين وأقل شأنًا، لكن يجب أن يكونوا متورطين بالدم، وأن تحوي سجلاتهم جرائم مرتكبة، ويجب أن يكونوا من المخبرين على زملائهم، وثبت ولاؤهم للنظام الحاكم، وجاهزون لارتكاب مزيد من الجرائم، مقابل الحصول على امتيازات سلطوية أو مادية. أي أن نظام الأسد يستبدل مجموعة تم استهلاكها، وأصبح وجودها ضارًا أو قليل المنفعة بالنسبة إليه، بمجموعة جاهزة لكل ما يطلب منها وأكثر حيوية”.

الرائد السوري المنشق إبراهيم مجبور قال لـ (جيرون): “لم يعد يخفى على أحد حالة الضعف والتفكك التي يعانيها نظام الأسد وجيشه، حيث إن ما وصل إليه مخطط لتكون الكلمة العليا في سورية هي لروسيا، ومن ثم إيران، أما بالنسبة إلى تسريح الضباط فهو يعود -بنظري- إلى سببين: الأول أن روسيا لا ترغب في بقاء ضباط على رأس عملهم، قاتلوا ودافعوا عن الأسد (ولاؤهم للأسد وليس لروسيا) والثاني رغبة وهدف (إسرائيل) في أن لا يتجاوز عدد جيش بشار 40 ألف مقاتل، معظمهم من الشرطة، وهذا ما صرح به بعض مندوبي الدول لي، شخصيًا، مع بداية الثورة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق