مقالات الرأي

سورية بلاد “الرمل والموت”

واقعيًا، تراجعت مقولة المصلحة عن مركزيّتها في تفسير السلوك السياسي للدول. ولكن تحليلاتنا السياسية لم تتراجع حتى الآن عن دور المصلحة في فهم السلوك السياسيّ للدول وتفسيره. كما أنّ التبرير السياسي للسلوك السياسي للدول بعد ممارسته يستمد من فكرة المصلحة زادَه لعقلنة سلوك هذه الدول فيما بعد؛ أي أن طبيعة مُخنّا تجعلنا ننسج تفسيرات للسلوك السياسي غير المتوقع بعد وقوعه في عالم الواقع، بما يجعل هذا السلوك غير المتوقع قابلًا للإدراك المعقول والتوقع المرجّح. وهذا معناه أن قابلية السلوك السياسي غير المتوقع للتعليل الارتجاعي تجعلنا في سياق خارج عن لبّ الموضوع.

فهل تفسر مقولة المصلحة هذه، السلوك السياسي للدولة الأميركية في سورية مثلًا؟! وإذا فرضنا أن الأمر كذلك، كما يرى غالبية المحللين، وهو ليس كذلك، فما المصلحة القابعة وراء السلوك السياسي للدولة الأميركية في سورية عمومًا، وفي شرق الفرات خصوصًا؟ وإن كانت مصلحتها في النفط والغاز؛ فلماذا هذا السلوك الأميركي بالانسحاب المفاجئ والمخالف لمصلحتها، كما يعتقد المتفاجئون؟ ولماذا يبرر رأس الدولة الأميركية انسحابه بالقول: إن “الولايات المتحدة خسرت سورية منذ وقت طويل، وإضافة إلى ذلك فإننا نتحدث هناك عن الرمل والموت، ولا نتحدث عن ثروات ضخمة”! فهل ضمنت الدولة الأميركية السلام والأمن في سورية؟! أو “أمن إسرائيل”؟! أو تحولًا سياسيًّا؟! وهل ضمنت خروج إيران وميلشياتها؟! أو تفاهمًا ما لـ (قوات سوريا الديمقراطية) التي ترعاها؟! هل ضمنت عدم عودة (داعش)؟! هل ضمنت إعادة إعمار في المناطق التي تواجدت فيها قواتها؟! وهل ضمنت شرق أوسط جديد وكبير؟ لا بالطبع فالمشاهدات البسيطة لا تفيد بمثل هذه الضمانات في ظل انعدام القطبية الدوليّة وتشابك التدخل والفوضى؛ الأشياء التي تجعل من الواقع متغيرًا لحظيًا وسائلًا لا صلبًا.

يعرف الجميع أن الدول لا تدرك مصالحها بالطريقة ذاتها، ولا تتصرف بالطريقة ذاتها عند إدراك مصالحها. ولا تستجيب للتهديدات التي تدركها بالطريقة ذاتها. ولكن الجميع لا يعمل وفق معرفته، فيتناسى معرفته ويعود إلى الاستقراء أو القياس على ما سبق. فعلى الرغم من التهديد الذي يحمله الوضع السوري للأمن والسلم العالميين، وعلى الرغم من الأخطاء الكثيرة التي ارتكبت بحق الأطراف المختلفة في سورية، وعلى الرغم من الاستفزازات الكثيرة التي ارتكبت بحق الأطراف المختلفة في سورية، وعلى الرغم من تبخّر مصالح الدول في سورية؛ فإن الحرب في سورية لم تتطور إلى حرب عالمية أو حتى إلى حرب إقليمية بين هذه الأطراف حتى الآن، ولا في المدى المنظور. ولم يتم التعاون بين هذه الدول بشكلٍ واسع النطاق، على الحل السياسي الذي يوفر مزيدًا من الأمن والسلم الدوليين.

إن عقم المصلحة في تفسير السلوك السياسي الذي يصاحبه دومًا نظرية المؤامرة، بات أمرًا ممجوجًا للاستهلاك المحلي والاجترار. فقد آن الوقت للتخلي عن تحليلاتنا السياسيّة القائمة على مصلحة الدول لسلوك هذه الدول التي تسود منذ بداية القرن الماضي. وهي الفكرة نفسها التي تقول إن مصالح الدول تتحدد بسعيها وراء المواد الأولية المهمة للصناعة والاقتصاد، ووراء الأسواق التجارية لتصريف المنتجات والسلع المتراكمة، ووراء اليد العاملة الرخيصة لتوفير مزيد من الأرباح. حتى إن بعض الصناعات التي تلوث البيئة، وعليها ضرائب كبيرة، قد نقلت مصانعها إلى ما يسمى دول العالم الثالث التي لا تهتم ببيئتها وضرائبها شبه معدومة أمام مثل هذه الاستثمارات.

وكمثال على الفرق القائم بين دور المصلحة في تفسير عالم الحرب الباردة وبين دورها في عالم اليوم، نقول: أنتج المحللون في مرحلة “الحرب الباردة” وقبلها في مرحلة “الاستعمار الكولنيالي”، جملة مقولات موضوعية تجعل الشعوبَ واعية لما يدور حولها من مؤامرات ومصالح واستراتيجيات وتكتيكات… مقولات تُعرِّف الشعوب على ماذا يريد الاستعمار منها، ولماذا تعاني الشعوب من الهيمنة والحرب والإخضاع. وذلك من خلال تقديم أطر نظريّة تُستنبط من الواقع آنذاك. ومن هذه المقولات والأطر التفسيرية، التي تفسر سلوك الاستعمار والقطبين المتصارعين آنذاك عدة مقولات منها:

  • الطمع في المواد الأوليّة.
  • الحاجة إلى سوق لتصريف المنتجات.
  • الطمع باليد العاملة الرخيصة.

وقد رافق هذه التحديدات مقولات عديدة، كمقولة هجرة العقول وهجرة رأس المال ومقولة المؤامرة. وإذا ما فحصنا هذه المقولات التي كانت موضوعيّة، وتُفسِّر الواقع الاستعماري الإمبريالي آنذاك؛ فإنها اليوم تمارس دورًا تضليليًا ديماغوجيًا. فعالم اليوم لا يحتاج إلى اليد العاملة الرخيصة؛ لأنَّ البطالة منتشرة في المراكز الاستعمارية، بفضل الذكاء الصناعي والأتمتة والسبرانتيك، وإذا كان هنالك من حاجة فهي حاجة إلى اليد الخبيرة صاحبة الـ (c.v) متعدد المواهب والخبرات واللغات، وهذا -مع الأسف- غير متوفر في منطقتنا بكثرة، في ظل الأمية والفقر والجهل والاستبداد. وبتحقيق السوق العالمية، لا يعود هنالك أهميّة تُذكر للسوق السورية، حتى بالنسبة إلى المواد الأوليّة، كالنفط والغاز مثلًا؛ فإننا من جهة لا نشربه ونبيعه في السوق الدوليّة، ومن جهة ثانيّة فإنَّ من يشتريه ينتج منه أضعافًا مضاعفة، عمّا كان ينتجه في المرحلة السابقة، من حيث كمية المنتجات وأرباحها. ولكن، يا للمفارقة، ما زال مُحللونا -إلى اليوم- يكرِّرون النغمَ نفسه! فيقيس مُحلِّل اليوم على ما سبق من سلوك، فيجد الإطار التفسيري نفسه، فيردح به ويغرف منه، ويقدم الحقائق المطلقة التي لا تنزاح بتاتًا!

وهذا يتطلب إعادة التفكير في مقولة المصلحة، ودورها التفسيري لسلوك الدول، في ظل اللاقطبيّة التي يعيشها نظامنا الدوليّ، والفوضى والتدخل التي تعيشها سورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق