هموم ثقافية

“كراتين” في أعناقنا

هل سيعودون؟

وإن أتقنوا النسيان، وسكنوا بيوتًا جديدة تقيهم ثلج الذكريات ولوعة الحنين، ماذا نفعل بتلك الهوّة الشاسعة التي تركوها لنا، لتتسع الحفرة بيننا وبين عتباتنا؟

ماذا نفعل بأغراضهم التي تركوها أمانةً في أعناقنا، نحن سكان الداخل، الاسم الذي أطلقته علينا الحرب.

قبل أن تغادر صديقتي قريتها المهددة، لم تفكر بأغراضها، بقدر ما خافت على تلك الأمانة التي وضعها أحدهم في بيتها قبل أن يترك البلد، صديقتي التي صدقَ حدسُها وسُرق بيتها، فيما بعد، كانت مطمئنةً وهي تهاتفني، فلقد أنقذت تلك الأمانة من أيدي اللصوص، أما أغراضها وأثاثها وذكرياتها فلا تهمها في شيء.

أغلب أصدقائي تحولت بيوتهم إلى متاحف لأغراض الآخرين، أولئك الذين تركوا البلد إما على غفلة وتهديد أو نتيجة قرار وتصميم، بعد أن ضاقت بهم السبل ولم يجدوا حلًا لتلك المخاوف سوى أن يديروا ظهرهم ويرحلوا.

حسنًا، ماذا عن تلك “الكراتين” المتخمة بأغراض لا نعرف عنها شيئًا، سوى أنها غُلفتْ بشريط لاصق من النوع البائس المهترئ والرخيص في أغلب الأحيان، الذي يغصُّ بالارتباك، دون أن يتكلم، ثمّ دخلتْ بيوتنا فجأةً، وعيون أصحابها رمادية يعصرها الفراغ، تركوا لنا تلك الحرارة في أصواتهم وهم يقولون لنا، بطريقة غير مباشرة وبحة من اللامبالاة المتكسرة: “ديروا بالكون عليها”.

يخبرني “ح.ع” أنه كان ينوي السفر منذ مدة قصيرة، لكنه متردد وخائف بشأن تلك الأشياء الحميمة المنسيّة، وبخاصة أنه أصبح يعاني مؤخرًا من مرض أصاب الجميع، أولئك الذين استمرت ظلالهم في هذا البلد، وهو هوس التعلق بالأشياء، لقد أصبحنا، من دون ملل وشعور بالتعاسة، حراسًا لأشياء إضافية وعبيدًا لمزاجها وشخوصها وزمانها! كيف لا يصيبنا ذلك، ونحن نضع أنفسنا -كل لحظة- مكان البيوت المهجورة، ونرغب في الموت دون أن تشعر زجاجة العطر الفارغة، بألم غياب رائحتها؟

“وكيف سأرحل وهناك عشرة كراتين عالقة كقيد في يدي؟ أين أضعها؟ هل أوزعها وأضيّع عناوينها كما ضيّعها أصحابها، إن فكرتُ في الخروج؟”.

صديقي لا يفكر بأغراض بيته التي ربّاها قرابة أربعين عامًا، بقدر ما يفكر بتلك الأشياء التي وضعها أصدقاؤه على عجلٍ في بيته وودعوه لآخر مرة.

كتب متنوعة وأفلام سينما وأدوات تصوير وآلات طباعية وأكياس نايلون محزومة بعناية، توحي خفتها وشكلها بأنها متخمة بالثياب.

أين أصحاب تلك الأشياء الآن؟ هل يفكرون بتلك التفاصيل التي خبؤوها وراء أبوابنا وتحت أسرتنا وفوق سقيفتنا، كما نعيشها نحن الآن، ونرمقها كل يوم كأنها صارت تفصيلًا عاديًا في صباحاتنا، كالأريكة وصنبور المياه وأخبار العاصفة والخيام الغرقى؟

حتى إذا فكرنا مرةً بالرحيل، فإننا نفكر بها قبل أن يخطر لنا توديع أهلنا؟

سبق أن طلبتُ من صديقتي أن تعيرني مجموعة من أفلامها السينمائية التي كانت تحافظ على مكانها، قرب “فاترينا” الزاوية، مغلفةً بكيس شفاف، وكانت تردد دائمًا: “حتى أنا، ورغم ولعي بالسينما لم أتجرأ يومًا على فتحها صدقيني”. وكنت أستغرب وأتذمر وأفكر، بأن من وضعها عندها، قد نسيها بعد أن مضى على رحيله سبع سنوات! وحتمًا هو لن يتذكر ماذا وضع في جوفها، إن كان أفلامًا أو كتبًا أو مسحوق غسيل.

لكن أفكاري تبقى كما الصدى، فلماذا لا أوجه تلك التهم إلى نفسي أنا التي أحتفظ بغرفة كاملة من ذكريات الآخرين؟! في كل زيارة إلى صديقتي أراها تنظف مثلي وجه العلبة الشفاف، كما تنظف أريكتها وطاولتها، تزيل الغبار عنها، بينما أتصنع عدم الاكتراث والالتفات إلى تلك الحركات التي تمسني شخصيًّا.

هل يسأل أصحاب تلك التحف المجهولة المطويّة المحزمة عنها؟ “لا، أبدًا، لقد مرَّ على هذه “الكرتونة” حوالي أربع سنوات، وهي ترقد في بيتي، أرسلها صديقٌ من بيروت، قبل أن يمضي إلى ألمانيا، مرفقةً مع رسالة لا أنسى طعم كلماتها في قلبي، حتى الآن، يشكرني فيها سلفًا على كل شيء، ومن وقتها لم يسأل عن أغراضه قط، مع أننا نتكلم في أوقات متباعدة، لكنه لا يأتي على ذكر أشيائه، ولو على سبيل المزاح”.

تربكني تلك العلاقة “المازوخية”، ليست بين الحنين وغباره، بين الأشياء والحواس، بل بين أنفسنا نحن، ففي جذورنا وأعماقنا تجثو فكرة التعلق بالأشياء كيتيم شارد، وكأنها مصيرنا أو هويتنا، وفي لا وعينا نمارس بشدة تلك الحماقة، نعم، أستطيع أن أسميها حماقة الآن، لا بل مرضًا يسيطر علينا ويمنعنا من كشف الضباب ورؤية ما يخبئه لنا الأفق، ما يتلوه علينا الوجود من حكمة ومدى آخر علينا سبره والسير فيه مغمضي الأعين، هل نحتاج إلى عاصفة كي تطوي وعينا وتعلُقنا بأدق التفاصيل ونسيانها لمجرد أنها وقعت؟ أم أننا بحاجة إلى حقيبة وسفينة كغيرنا، كي نتغير ونَألَف سماء جديدة لا تعترف بقشور لب في منديل أبيض، كتلكَ التي تركها صديقي في صندوق خشبي أمانة في عنقي قبل أن يسافر؟ أم أن هذا التراكم صار جزءًا من نسيجنا في الوجود كأنفاسنا وخطواتنا، وليس بإمكاننا جلبُ جلد آخر وارتداؤه فوق جلدنا؟

إنها حقيقة حزينة مؤلمة بلا شك، وفي أحيان كثيرة لا أفرق بينها وبين الموت البطيء!

“ومتى سيعود أصحاب تلك الحقيبة السوداء أعلى الخزانة لأخذها؟” تسألني أمي، وأنا أطوي غطاء السرير، وأصغي إلى أخبار العاصفة الثلجية، قادمةً عبر الراديو، تقول المذيعة:

ينصح خبراء الأرصاد الجوية بتوخي الحذر من القيادة ليلًا، وعليكم تفقد المكابح والمصابيح قبل القيادة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق