سلايدرقضايا المجتمع

أيمن زيدان يخاطب سيّده “الرئيس”

بعد شكران مرتجى، ها هو الفنان أيمن زيدان يرفع الصوت عاليًا، مخاطبًا سيده الرئيس: “انتصرنا، لكن لا معنى للنصر، إن لم تعد لنا أوطاننا التي نعرفها، تبًا للصقيع وتبًا للعتمة”. وأضاف: “سيادة الرئيس، هؤلاء ليسوا رجال المرحلة، لا نحتاج إلى من يُتقن التبرير، نريد رجالًا يجدون الحلول”، وتابع: “لا نحتاج إلى من يُتقن التبرير، نريد رجالًا تُحسن التدبير”، وقال: “لا أدري إلى أين نسير!! لماذا لم يعد الوطن، كما كان في الحكايا!! أعيدوا لنا دمشق التي نعرفها”. وفي مكان آخر من رسالته، تابع زيدان: “كسوري، ربما أتحمل كل الصعاب، لكني لا أحتمل أن أكون غريبًا. نحن من هذه الأرض التي لم تشكُ يومًا، لا تسرقوا كبريائنا”، ثم ختم الخطاب بالقول: “لماذا تقتلون بهجتنا بالنصر؟ لا يُترك إكليل الغار بالعتمة، نحن سكان الضوء نكره صقيعكم وعتمتكم، شمس دمشق أكبر من تبريراتكم، دعونا نتدفأ بوطننا الذي نعشق”.

أدّى زيدان في السابق كلّ الأدوار التي أوكلت إليه، بنجاح واقتدار، لكن أحدًا لم يتصور أنه قد يؤدي يومًا دورَ المواطن الصالح ذي الضمير، خاصة بعد أن اختار الوقوف إلى جانب الشرذمة المجرمة، وتحوّل من فنان قدير إلى مجرد ممثل صغير يؤدي أدوارًا تُضحك الجمهور، ومع ذلك يشجعه السوريون على الاستمرار؛ لأنهم بحاجة ماسة إلى الضحك، فحتى رسالته هذه تضحكهم.

يتحدث زيدان عن النصر وبهجة النصر، وكأنه عائد للتو من قمة جبل الشيخ بعد تحريره، ويريد تاجًا من الغار، والتمتع بمعاني النصر، لكن هل يُعقل أن شخصًا مثله لا يعرف من الذي انتصر وعلى من؟ إن كان لا يدري، فسنخبره أن الذي انتصر هو طيران الإجرام الروسي والميليشيات الطائفية الحاقدة، انتصروا على أهلنا في داريّا والغوطة ووادي بردى ومضايا والقلمون وحمص ودرعا وحلب، وغيرها من المدن التي أصبحت أنقاضًا مهجورة، الذي انتصر هو “حزب الله” الذي احتلّ بلدة الرحيبة وكل القلمون، وهجّر أهله إلى مخيمات عرسال، وأسكن “الدواعش” مكانهم، وبإمكان زيدان أن يسأل أهله ومختار الرحيبة، وسيفيده بمن انتصر على مَن. إن من انتصر عليهم أسيادُ زيدان موجودون في مخيمات عرسال، والذي انتصر ليس زيدان ولا سيّده “الرئيس”، بل هو بوتين وخامنئي، وهم يستمتعون بالنصر ويجنون ثماره.

أعيدوا لنا دمشق التي نعرفها

لا نظنّ أن زيدان جاد في مطلبه هذا، لا شك في أنه يُحاول تأدية دور الجاهل؛ إذ إنه يطلب المستحيل، ولا سيما أنه يطلب ممن هجّر أهلَ الشام، وسلّمها لميليشيات حسن نصر الله ومهدي العامري وقيس الخزعلي، أن يُعيدها إلى أهلها، وهو لن يستطيع ذلك، حتى لو أراد صادقًا، بعد أن قدّم دمشق وأهلها ثمنًا بخسًا لكرسي متهالك، وكأن زيدان يطلب من سيّده، الانتحارَ، وأن يلف حبل المشنقة حول عنقه.

لا نعلم عن أَي دمشق يتحدث الرجل، بعد أن غادرها أهلها، أو لاذوا بالصمت أمام جبروت المحتل الفارسي، الذي يجبرهم على بيع ممتلكاتهم في دمشق العتيقة، في الحريقة والمناخلية والقيمرية وكل محيط الأموي رمز دمشق العربي، دمشق التي كانت تتزين (ببسطات) الفلاحين من دوما وداريّا والمزة والمعضمية، يبيعون منتجاتهم الطازجة على أرصفة دمشق، قبل أن تغص هذه الأرصفة بالقمامة المستوردة من طهران.

عن أي دمشق يتحدث هذا “الممثل”؟! عن دمشق التي تآمرَ عليها مقابل حفنة من فضة؟ لقد رحلت دمشقُ، يا زيدان، مع خالد تاجا، هل سمعتَ بهذا الاسم من قبل؟ ذلك الفلسطيني الذي كان فيه خير ووفاء لدمشق أكثر من كثيرين، خالد تاجا الذي قتله سيّدك الرئيس. لا يحق لأمثال زيدان الحديث عن دمشق، وربما يناسبه أكثر الحديث عن الضاحية الجنوبية لبيروت، فهي من “انتصر”، إن كان يبحث عن نصر.

كسوري ربما أتحمل الصعاب ولكن لا أتحمل أن أكون غريبًا

على زيدان أن يتحمّل ذلك، فقد أصبح غريبًا، منذ أن شاهد أول برميل يسقط على داريّا ولَم يستنكر، منذ أن شاهد أول رشقة صواريخ تنهمر على رؤوس أهل الغوطة، واستمر في العمل في الأستوديوهات، وكأن ما يحصل جزءٌ من فيلم سينمائي، وكأن الذين دُفنوا تحت الأنقاض ليسوا بشرًا حقيقيين من أهل هذا البلد. هو غريب منذ رأى أول مسيرة “لطمية” جابت شوارع دمشق، فأشاح بوجهه وصمّ آذانه عنها، هو غريب، وعليه أن يتحمل غربته إلى أن يوافيه الأجل.

لم يستيقظ ضمير الممثل السوري ليذهب إلى زيارة يجبر بها خاطرَ أهله المشردين في الخيام، أو يُنفق عليهم من ماله الذي جناه مما أتاحته له السلطة من أعمال، أو يأخذ بيده بعض المعاطف للأطفال الذين يرتجفون بردًا تحت خيام تدفنها الثلوج، أو أن يقدّم لهم طبقًا ساخنًا يسدون به رمقهم ويدفئون به أحشائهم، لكنه عندما أراد الدفء لنفسه تحرّك، غير أنه نسي أن عليه أن يوجّه رسالته إلى حكام سورية الفعليين في موسكو وطهران، فسيّده الرئيس مثله مكلل بالعار، بعد أن دمّر البلاد وشرد العباد.

قبل الختام، لا بد من تذكير زيدان بواجب شكر هذه الثورة العظيمة التي لولاها لما تجرأ أمثاله وخاطبوا سيدهم “الرئيس” برسالة مفتوحة، عبر وسائل التواصل، بعد أن كانوا لا يجرؤون أن يُقدّموا طلبًا مكتوبًا لرئيس بلدية في أقاصي الريف السوري.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close