تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“هيئة تحرير الشام”.. أطوار التشكل والتمكن

يثير بقاء “هيئة تحرير الشام” وما قامت به في الآونة الأخيرة، عددًا من الأسئلة حول طبيعتها ومواقفها ومصيرها، فالهيئة هي امتداد لـ “جبهة النصرة” المعروف أنها جزء من “تنظيم القاعدة” باعتراف رسمي منها، لكنها قامت -على مدار سنوات- بعدد من التكتيكات السياسية المدروسة، في محاولة منها للتملّص من توصيفها كمنظمة إرهابية، فكان ما يُعرف بتحوّلها إلى “هيئة تحرير الشام” بضمّ بعض الفصائل والاتجاهات الإسلامية إليها، وطرح أفكار عامّة تبدو -ظاهريًا- أنها أكثر اعتدالًا، وتتضمّن أفكارًا سياسية يمكن أن تُسهم في خلط الأوراق، عن مستوى علاقتها بـ “تنظيم القاعدة”، علمًا أنها لم تُعلن انفكاكها عنه، وما زالت تؤكد علاقتها به.

لم تعرف الثورة السورية، طوال أشهر، أي توجهات متطرفة، أو تنظيمات متشددة عابرة للحدود والدول، لكن، بفعل تواطؤ عدد من الدول والجهات، وفي مقدمتها النظام السوري؛ فُتحت الأبواب وزُجّ بالعديد من القوى المتطرفة لركوب الثورة، ومن ثم العمل الحثيث على حرفها، وتشويه جوهرها السلمي الشعبي، وقد عانت مؤسسات الثورة إرباكًا كبيرًا، في بلورة مواقف واضحة من تنظيم “جبهة النصرة”، وأولاد عمومتها وتفريخاتها، وشهدت جدالًا داخليًا طويلًا بين اتجاهين:

الأول: كان يعتبر أن هؤلاء ضد النظام ويقاتلونه بشراسة، وأن أغلبيتهم من السوريين، وأن علينا أن نعمل على “توعيتهم” وإرشادهم وإعادتهم إلى صفوف الثورة، فرفض أمثال هؤلاء اتخاذ موقف مبكر منهم، يرفض الإرهاب والتشدد من أي جهة كانت، وترك هذا الموقف أثرًا كبيرًا في الثورة ومؤسساتها لسنوات.

الثاني: انطلق من جوهر بنية وأطروحات تلك القوى المعادية للثورية، والمناقضة لبرنامجها وأهدافها، وما يمثله وجودها من خطر على مسار الثورة وحاضنتها الشعبية، وعلى عمليات الحرف وخلط المفاهيم، وقد استغرق إنضاج الموقف وإعلانه سنوات، وجّهت فيها تلك التنظيمات أكبر الضربات لـ (الجيش الحر)، ومواقع قوى الثورة على امتداد الساحة السورية، واتهام تلك المؤسسات بأنها تُهادن الإرهاب وضدّ محاربته.

بسبب إشكالية التعدد الفصائلي والجهات الممولة وصاحبة القرار من جهة، والعجز عن تشكيل بديل متقدّم على النظام، يتجسّد على الأرض بسلوك منضبط، في خندق الشعب من جهة أخرى؛ كانت “النصرة” تُسجل نقاطًا لمصلحتها في الانضباط وحسن التنظيم، وفي ضبط الأوضاع في المناطق التي تسيطر عليها، وتقديم العديد من الخدمات للمواطنين، يساعدها في ذلك وضع يدها على بعض المعابر والثروات، والقيام بعمليات تجارية متنوعة، بعضها مشبوه، فنجحت في استمالة بعض القطاعات الشعبية، وغضّت بعض الفئات النظر عن ممارساتها المتطرفة، وتجاوزاتها لحقوق الإنسان وحرية البشر، في حين أن فئات أخرى أعلنت رفضها لوجود هذه القوى، وقامت بتظاهرات تعبّر عن موقفها؛ ما عرّض عددًا من الناشطين للتصفية، فضلًا عن اعتقال آخرين وإخفاء مصيرهم.

الحقيقة أن الاتجاهات الإسلاموية التي سيطرت على سطح الثورة، وعلى العمل المسلح، هادنت تلك التنظيمات، وبعضها تحالف معها، ووجد فيها عونًا لتحقيق “مشروعه الإسلامي” المتناقض مع الشعارات المرفوعة، وكانت مثل تلك المواقف تزيد اللوحة اختلاطًا، وتضعف الحاضنة الشعبية المخالفة لتلك التوجهات.

حين قررت “جبهة النصرة” استبدال اسمها والحفاظ على مضمونها، أصدرت بعض القوى والجهات بيانات تأييد، ووجد البعض من هؤلاء في ذلك تحولًا مهمًا يجب تشجيعه ودعمه، باعتباره “خطوة في الاتجاه الصحيح”، بواقع أن الحرب ضد وجود قوات (الجيش الحر) لم تتوقف، ونهج الاستئثار ظلّ مستمرًا، ومعه مشروع القاعدة الخاص.

حين شملت اتفاقات خفض التصعيد إدلب، كان وجود “الهيئة” فيها أحد عوامل الانفجار، والتهديد الروسي المستمر، ومعه النظام وإيران، بإنهاء هذا الوجود بالقوة المسلحة، وعبر القيام بمحرقة شاملة، كما حدث في مناطق أخرى كالغوطتين وريف حمص الشمالي والجنوب، لكن وجود أكثر من أربعة ملايين ساكن، منهم العديد من الذين هجّروا قسريًا من مناطق كانت تسيطر عليها المعارضة المسلحة، أو جاؤوا وفق الاتفاقات التي عقدت، كان يطرح النتائج الكارثية التي يمكن أن تنجم عن مثل تلك الحرب – المحرقة، من حيث عدد الضحايا من المدنيين، أو من حيث فتح الأبواب لنزوح الملايين باتجاه تركيا بشكل خاص، وبما لا يمكن تحمّله تركيًا، وقد يتدفق كأزمة نحو أوروبا، وبما زاد من العوامل التي جعلت الموقف التركي رافضًا لأي عمليات عسكرية، والتفكير بمخارج أخرى سلمية، كما أن عددًا مهمًا من الدول الفاعلة اتخذت موقفًا يعارض شنّ الحرب على إدلب ويحذّر من عواقبها، وقد أدّى هذا الوضع إلى وجود اتفاق بين “الدول الضامنة” لاتفاقات خفض التصعيد، أو أطراف أستانا الثلاث، بعدم لجوء بعض الأطراف لاستخدام القوة، وعلى أن تتكفّل تركيا بالعمل على حلّ هذا الإشكال بوسائل تؤدي إلى إنهاء هذه الظاهرة المتطرفة، وترحيل العناصر الأجنبية إلى خارج سورية، أو إيجاد سبيل للخلاص منهم، وكُلفت تركيا للقيام بهذه المهمة، عبر نشر مراكز لها في عدد من أنحاء إدلب، ثم جاء “اتفاق سوتشي” بين الرئيسين أردوغان وبوتين الذي كرّس رفض استخدام القوة، وحماية المدنيين، وتكليف تركيا بإيجاد حلّ للمنظمات الإرهابية في زمنٍ اتُّفق عليه.

بدورها قامت “هيئة تحرير الشام” بمناورات عديدة للالتفاف على تلك القرارات، ومحاولة إحراج الموقف التركي بأطروحات معتدلة، وإجراءات سياسية، ومنها تشكيل “حكومة الإنقاذ” وبناء علاقات مع هيئات المجتمع المدني والمجالس المحلية، والسماح لعدد كبير من المنظمات الإغاثية الدولية بالعمل والتواصل، يترافق ذلك مع إظهار نوع من الانفتاح في الجانب السياسي، والقابلية على الحوار، والتحوّل إلى تنظيم سياسي.

الواقع أن الموقف التركي الذي راهن على القيام بعملية تفكيك، أو احتواء، أو إحداث انشقاقات كبرى، أو تحويل هذا التنظيم المسلح إلى حالة سياسية، لم يتوصل -حتى الآن- إلى نتائج ملموسة، حيث إن الوقائع على الأرض لا تشير إلى وجود تغيرات كبرى، وصولًا إلى ما جرى في الآونة الأخيرة من اقتتال مع “حركة الزنكي” وغيرها، وبسط نفوذ الجبهة على معظم مناطق إدلب، ثم عقد اتفاق مع “جبهة التحرير الوطني”، بما يعني تكريس الأمر الواقع.

يُقال الكثير في أسباب الاقتتال مع فصيل “نور الدين الزنكي” الذي كان حتى الأمس حليفًا مهمًا لـ “هيئة تحرير الشام”، وهناك من يسوّق الأخبار عن اتصالاته بالطرف الروسي لعقد مصالحات مع النظام عبره، بينما هدف الاستحواذ، ووضع اليد على مفاصل استراتيجية كأوتوسترادي (دمشق – حلب)، و(حلب – اللاذقية) وبعض المناطق المهمة المتاخمة لعفرين، وريف حلب الغربي، يعتبر نقطة مهمة في فرض أمر واقع تساوم به وعليه.

وسط هذه التطورات، تكثر التحليلات عن قابلية فرض “الهيئة” كأمر واقع تتعاطى معها الدول المعنية، مثلما هو الحال، مثلًا، في التعامل مع منظمات تصنّف على أنها إرهابية، لكن دولًا عديدة تتعامل معها بشكل علني أو سري، مثلما يحدث مع (حزب الله) و(حماس) و(بي واي دي) وغيرهم، وهو أمرٌ سيبقي هذا الوضع بمنزلة لغم خطير قابل للانفجار داخل مناطق الثورة السورية، ويبقي على الإشكالية المتعلقة بهوية الثورة، وأهدافها معلقة وفق التطورات التي تسهم فيها الأطراف الخارجية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق