سلايدرقضايا المجتمع

السوريون بين الإجماع والاختلاف

كم كان سهلًا التعرّف إلى النقاط والمواضيع التي تحظى بالإجماع السوري الكامل، في المرحلة السابقة للثورة! إذ يكفي أن نتابع الإعلام الرسمي المقروء أو المسموع أو المرئي، حتى نعرف جميع المواضيع والنقاط التي ارتأت “القيادة الحكيمة” للدولة والمجتمع -وفقًا لوصفها ذاتها- جعلها موضع إجماع سوري شامل وكامل، داخل الوطن وخارجه، سواء أكان المجال سياسيًا أم ثقافيًا أم فنيًا أم رياضيًا. بينما نجد الآن صعوبة كبيرة، في إيجاد أي موضوع يجمع عليه كل السوريين، ولو نسبيًا، فمن الخلاف حول الموقف من قوى الاحتلال الخارجي والداخلي فرادى ومجتمعين، إلى الخلاف في الشؤون الرياضية والفنية وفق الميول، والموقف السياسي لكل شخص. وبات الموقف السياسي البسيط المعيارَ الحقيقي والوحيد، في تحديد التوجه والرأي الرياضي، والفني، والسياسي.

لم يعد مستهجنًا اليوم سطوة الموقف السياسي على أي محادثة كانت، فغالبًا ما يرتبط تقييم الشخص -العمل- وفق الموقف السياسي الشخصي لكل منا، ليغدو الشخص الفاسد داعشيًا أو عميلًا، وفق خصومه السياسيين، أو مجرد سارق لا أكثر، وفق بعض أنصار موقفه السياسي، وقس على ذلك الأمورَ والقضايا الأقل وضوحًا، كالرأي في عمل فني وما شابهه من الأمور. وعلى الرغم من سطوة الموقف السياسي على صوغ أي موقف اليوم، فإننا في مرحلة تعبّر عن تحطيم القوالب التي وُضعنا فيها سابقًا، تحت مسمى الإجماع الشعبي أو السوري، وبالتالي لم تعد تتمكن السلطة السورية من توجيه ميول السوريين وآرائهم وأهوائهم، كما كانت تفعل من قبل، نتيجة العديد من العوامل، منها انفتاح جميع السوريين ما بعد الثورة على الفضاء الإلكتروني، واعتماده مصدرًا رئيسًا، وربما وحيدًا، لاستسقاء المعلومات والأخبار، وهو ما قلّص دور ونفوذ وهيمنة الإعلام الرسمي والمحسوب عليه، مثل تلفزيون (الدنيا) و(المنار) و(الميادين) وما شابهها من قنوات ومحطات تلفزيونية وفضائية وسمعية، ذات التوجه نفسه من الأحداث السورية.

لم يتراجع تأثير النظام على معتقدات السوريين، ضمن وسط أنصار الثورة فحسب، بل طالت هذه الحالة مجمل السوريين، داخل سورية وخارجها، نظرًا إلى تعدد مصادر المعلومات، ونتيجة تأثيرات الثورة في البنية الفكرية والاجتماعية والسياسية السورية عمومًا، حتى في الأوساط التي تؤيد الأسد. ومنها -على سبيل الذكر لا الحصر- ما يُعبّر عن وعي السوريين لذاتهم، بعيدًا من بنية النظام والدولة، فقد ساهمت الثورة في الحد من حالة الخنوع المطلق للنظام الحاكم التي سادت طويلًا، كما أزالت من عقول السوريين صورة النظام الشمولية المهيمن على جميع القضايا، ومختلف الملفات والمسائل، لمصلحة نمو دور الفرد أو المجموعة، على جميع الأصعدة حتى داخل المؤسسات المحسوبة على النظام، لذا نمت ظواهر خارجة عن المألوف سوريًا، داخل تجمعات اجتماعية أو مهنية ذات ارتباطات وثيقة بالنظام، حتى داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية.

بالتالي، لأول مرة في زمن حكم الأسد، بتنا نسمع ونرى مواقف وتحليلات وآراء خارجة عن منظومة الحكم، نتيجة تراجع نفوذ السلطة، وعلى الضد من مشيئتها، وهذا دليل على ضمور السلطة وتآكلها، وإن كان في الحقيقة تعبيرًا صادقًا عن طبيعة المجتمعات. أي كنا نعيش في المرحلة السابقة للثورة وضعًا غير طبيعي، لا يعكس حقيقة الوضع، بفعل هيمنة الدولة وجبروتها الذي حطمته الثورة، وإن عجزت حتى الآن عن تغيير تلك الدولة كليًا. وعلى ذلك، لا يمكن أن نُطالب مستقبلًا بقولبة المجتمع السوري كاملًا، وفق رؤية وميول أي شخص أو جهة، مهما كانت، وعلى أي موضوع كان، فالاختلاف -في الرأي والاهتمام والميول- سمة أساسية وصحية داخل أي مجتمع، سواء أكان الاختلاف سياسيًا أم فنيًا أم رياضيًا أم ثقافيًا أم اجتماعيًا، ويجب أن تضمن منظومة الحكم الحقَّ في الاختلاف، وتحميه، وتعمل على تحويله إلى أحد مصادر قوة الدولة، بعيدًا من السلطة وسيطرة النظام الحاكم. لذا لا بد من رفض جميع الممارسات والسلوكات المحسوبة على المعارضة التي تعمل كذلك على قولبة المجتمع السوري، وفق آرائها وأفكارها ومعتقداتها، أو بما يخدم داعميها ومموليها.

كان الانفجار الثوري -وما زال- تعبيرًا عن توق السوريين إلى كسر القيود والجدران التي شيدها النظام من حولنا، كي يفرض رؤيته ومنظوره وميوله على مجمل السوريين، وفق ثنائيات بغيضة، مثل أبيض وأسود، جميل وقبيح، خير مطلق وشر مطلق، فمن تماهى مع خطاب وتوجهات النظام المعلنة هو معنا: مع الخير والجمال، بينما الآخر هو نقيضنا الكامل، ما يجعله في خندق الأعداء فورًا، فلا مجال في ظل منظومة الأسد للاختلاف والتباين، حتى في الأمور الجمالية كالفن مثلًا. كما لا تتسع هذه المنظومة القسرية لأي رأي مخالف، وإن كان حول الوسائل والطرق، لذا تم رفض أي توجه نقدي مهما صغر، وعلى أي قضية كانت، سواء داخليًا أو خارجيًا، ومنها الموقف من التدخل العسكري في لبنان، أو الموقف من نظام الحكم العراقي، الإيراني، التركي، وكذلك الموقف من التنوعات الفنية، ومن الفنانيين إجمالًا، سواء أكانوا سوريين أم عربًا أم عالميين. وهو ما يفسر منع بث بعض الأغاني وبعض أعمال الفنانين، وفق موقف النظام السوري منهم ومن توجهاتهم، حتى في زمن البث الفضائي وتعدد القنوات الفضائية العربية والعالمية، وسهولة الوصول إليها. وكذلك الأمر رياضيًا وثقافيًا واجتماعيًا.

وعلى ذلك، نحن مطالبون اليوم بتقديم إجماع سوري مختلف ومغاير عن الحالة السائدة قبل الثورة، إجماع يُبنى على حماية حق كل سوري في الاختلاف والتباين، إجماع على دور الدستور والقانون في حماية الاختلاف، وضمان كبح جماح التوجهات الاستبدادية والشمولية، من أي جهة كانت، سواء أكانت قوى حزبية أم تحالفات وتجمعات ذات طابع قومي وإثني وديني محدد، أم السلطة الحاكمة نفسها ومؤسساتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية. وهو ما ينسحب على المسائل والقضايا المصيرية والأساسية في حياة المواطن، وفي صوغ مستقبل سورية، التي توجب علينا تقبّل الآخر، وصون حقه في التعبير عن معتقداته وأفكاره، بما لا يتناقض مع حق الآخرين كذلك، وتعزيز سبل الحوار والتواصل بين جميع السوريين، أينما كانوا، من أجل الوصول إلى الخيار الذي يكفل حقوق جميع السوريين منفردين ومجتمعين، ويضمن انتقال سورية، من دولة أمنية واستبدادية متخلفة، إلى دولة ديمقراطية صاعدة ومتطورة علميًا وحداثيًا واقتصاديًا، دولة قائمة على إجماع حول الحرية والعدالة والمساواة لجميع السوريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق