هموم ثقافية

السينمائية والفيلمية

قبل سنتين، في عام 2016، تشرفتُ بتكليفي رئيسًا لتحكيم مهرجان الأردن السينمائي الدولي الثالث، وكنتُ بمعية مجموعة من المخرجين، من دول مختلفة، إيطاليا، الصين، فرنسا، والأردن، عندما قمنا بأول اجتماع، وشرعنا بوضع أسس داخلية للتقييم، وكان لديّ السؤال التالي: هل سنقيّم “فيلمية” الأفلام المعروضة؟ أم سينمائيتها؟ فالفيلمية عملية بسيطة يستطيع أي أحد فينا وبمفرده، أن ينتج تقريرًا قيمًا، عن فيلمية الفيلم المعروض أمامنا، بينما الذي جعلنا نرتبك جميعًا أمام السؤال الأساس الذي طرحته في البداية، كيف لنا أن نقيم سينمائية الفيلم؟ وأيّ أسس سنعتمدها على مصطلح بات مربكًا وجديدًا، يدخلك في فلسفة غير محدودة، لشيء جديد في الإبداع، اسمه السينما؟

كان علينا أن نتفق، كلجنة تحكيم، على الفارق السحري والعظيم، بين الفيلمية (من الفيلم)، والسينمائية (من سينما)؛ فإذا قلنا لمعلم لغة عربية، هل هذه القصيدة منضبطة؟ سيشرع سريعًا، خلال دقائق، ليثبت أهي كذلك أم لا، من خلال تقنية متفق عليها، أو إذا قلنا لموسيقي: هل في هذه المقطوعة نشاز أم لا؟ ولن يتعب كثيرًا ليعطيك الجواب، لكن لو اجتمع عشرة شعراء أو مئة شاعر، ليقيّموا الشعر في قصيدة، فربما سيختلفون جميعًا! إذن، كيف يمكن لنا أن ننحت السينما أو أن نقيمها داخل الفيلم السينمائي؟

إن السينمائية أمرٌ يحدث قبل صناعة الفيلم، لكنها وجدتْ أدواتها في الفيلم، كما وجدت موسيقى الطبيعة أدواتها في النوتة الموسيقية. والكون هو فوضى من الموسيقى، يأتي الموسيقي ويولف مقطوعته، بانتقاء خاص به، كما تفعل النحلة، عندما تستخلص عسلًا من غابة فوضوية الغصون، والأشجار والزهور.. إذن، صناعة الفيلم، كنوع من أنواع المعادن في الجدول الدوري الإبداعي، تم اكتشافها عام 1897 لتستوطن في فوضى الصورة المتخيلة، لكن السينما أصبحت تتجسد في الصورة الواقعية، ثم نعيد لعبة الخلق الإبداعي لتنتقل الصورة الواقعية إلى صورة متخيلة جديدة.. ما الذي يفعله النحات، عندما يهتدي إلى حجر في الوادي، فيقوم بإزميل صلد، وغبار يحيط المكان، ويخلق منحوتة أبدية لا ينقصها سوى اختراع كيمياء جديدة لتحيا.

إن لعبة الفن، كما هي لعبة الخلق، لا بداية ولا نهاية لها لتشكيل الوهم على الواقع المحسوس، لا بداية ولا نهاية لوقعنة الوهم (ليصبح واقعًا غير محسوس)، وكأننا نتساءل ما هو الشيء الجنوني السحري الغريب الذي نصنعه ليصبح فنًا؟ إنه تشييء جديد قد يكون من اللا شيء إلى اللا شيء، وهم الصورة يشبه وهم الخلق الذي يتم على شريط السينما، صور صماء متتالية بسرعة 24 صورة في الثانية، على جدار أصم، تنطق بالحياة. ما هو الشيء السحري الذي جعل من الصورة الصماء تدفقًا لا نهائيًا من المشاعر (من إلى)، من الحقيقة إلى الوهم، مادة خام، سينما، ومن الوهم إلى الحقيقة، سينما، مشاهد… هل السينما هي فلسفة هذا الوجود؟ أم تلك الفيلمية الهندسية التي يشكلها الشاعر في قصيدة البحر والقافية، أو يشكلها الموسيقي في انضباط النوتة؟ أم لعبة الخلق من الشيء إلى اللا شيء (السينما)، ومن اللا شيء إلى الشيء (المتلقي).

السينمائية أربكتنا في لجنة التحكيم، عندما نجدها في فيلم منضبط ينقصه السينمائية، وأربكنا -أيضًا- حين وجدنا سينما ينقصها انضباط الفيلم، تمامًا كما يفعل كاتب القصيدة: لا خطأ لديه في بحره وتفعيلته، لكن لا شعر في القصيدة.!

هذه الجدلية هي التي تجعلنا نكتشف، أو نحاول اكتشاف جوهر السينما ووجودها، ما بعد وما قبل ولادة الفيلمية أو الفيلم، وذلك ينطبق على قواعد اللغة العربية، ما قبل أبي الأسود الدؤلي وجماعته. فهل للفن قانون؟ قد يبدو أن لا قانون للفن، لكن الحقيقة أن ليس هناك في الفن ما يسمى بـ “الصح” بل هناك الخطأ، لذلك، إذا أردنا أن نتعلم الفن؛ فعلينا أن نتعلم خطأ الفن لا صحته، تمامًا كما يكتب على أبواب معاهد السينما العريقة، العبارة السحرية: “من الممكن تعلُّم السينما، ومن المستحيل تعليمها”.

السينمائية ذلك الشجن الخفي، واللحن المنضبط عن النشاز، هي الفيلمية، إنها متعتك وأنت تحار في لعبة الساحر وهو يخرج الحمَام من قبعته.. فالإبداع السينمائي يجعلك تصدق الوهم وتستسيغه؛ بل تريده وتريد الإكثار منه، وكلما زادت اللعبة غموضًا؛ زادت متعتك واندهاشك وشغفك، تلك هي السينما وذلك هو الفن.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

Close
Close