تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الهروب من الجحيم السوري

يبدو أنَّ الانسحاب الأميركي من الرمال السورية المتحركة، سيصبح واقعًا، لكنه سيكون بطيئًا لوجستيًا، لأن الجميع في الحروب العبثية خاسرٌ، والأقلّ خسارة هو من ينسحب أولًا. وتتجلى صورة العبث في الملف السوري في تناقض أهداف الفاعلين على الأرض، وهروبهم من الاستحقاقات المستعجلة تجاه الشركاء، كما أن خططهم الاستراتيجية لم تكن متوافقة مع تطورات الوضع.

السؤال الذي يفرض نفسه بعد خروج الأميركيين هو: كيف ستكون اصطفافات مجموعة دول أستانا، وبخاصة أن أميركا لم تنهِ مهامها بعد في سورية، لجهة إبعادها إيران خارج المنطقة نهائيًا، أو تحجيمها على الأقل، وتحقيق انتقال سياسي في سورية، واستقرار في منطقة الشمال السوري؟

فهل تُترك المنطقة لصراعات مجتمعية بعيدة، قد تدفع حلفاءها إلى حضن الأسد – بوتين، المرتبكين سياسيًا؟

بالنسبة إلى تركيا، التي أعلنت أن ليس لديها “أطماع في الأراضي السورية”، فإن موقفها واضح تجاه الهجمات الإرهابية التي تستهدفها، وفق ما جاء في الكلمة التي ألقاها الرئيس أردوغان، أواخر الشهر الماضي في مدينة إسطنبول، خلال حفل توزيع جوائز لكبار المصدّرين الأتراك.

كلمة الرئيس التركي جاءت بعد أن أعلنت تركيا عزم بلادها إطلاق حملتها العسكرية، في غضون أيام، “لتخليص منبج وشرق الفرات من المنظمات الإرهابية” على حد تعبيره، وإبعاد (قسد) من حدودها. وتوالت التصريحات والتحضيرات التركية نحو حتمية المعركة، وبالأخص في ظل سلسلة تصريحات من أبرز القادة العسكريين الأتراك، بأن العمليات العسكرية قد تنطلق في أي لحظة نحو منبج وشرق الفرات.

وهذا التسخين يأتي مخالفًا لما يُرى بأنه توافق غير معلن، بين القوى الدولية الفاعلة على الساحة السورية، على إنهاء الحرب والعنف في سورية.

الدم الحار في الشرق يقابله برود من الجانب الغربي، فقد جاء هذا الشعور التركي، بسبب البطء في تنفيذ الاتفاقات السابقة، بخصوص منبج من قبل الأميركيين أنفسهم، التي تُكرِّر بأن قوات (قسد) ستخرج من منبج، وستُدار من قبل أهلها.

تشير هذه المؤشرات إلى التباعد في الرؤى، على الرغم من أن هناك مسعى لتدوير الزوايا في قراءة المشهد اللوجستي على الأرض وإبعاد هواجس الحرب والمواجهة، لحل العقدة التركية تجاه (قسد)، مع استمرار رفض الأتراك أي دور يمكن أن تلعبه “قوات سوريا الديمقراطية” شمال شرق سورية، عبر قواتها العسكرية أو برنامجها السياسي، بدعوى أنها تشكل تهديدًا لأمنها القومي.

وعلى ضوء ذلك، اضطر الأميركيون إلى الرد الفوري بأن “قوات سوريا الديمقراطية” ليس لديها مشروع سياسي في شرق سورية، وأن لا حل للقضية الكردية إلا بإطارِ الدولة السورية الموحدة، حيث كانت تحاول الإدارة الأميركية الخروج بصيغة مناسبة للحل، بالضغط على قيادة (PYD) مع أخذها بعين الاعتبار المصالح التركية، ودورها الإقليمي في المنطقة، وهو ما حسمه ترامب، بعد اتصاله الهاتفي مع أردوغان، بإعلانه الانسحاب الأميركي من الشمال السوري لمصلحة تركيا، على حد قوله.

وبذلك فتح ترامب المجال للدبلوماسية لحل الخلافات بين أميركا وتركيا، لكن هذا القرار أثار ردات فعل عديدة، تجلت بسلسلة استقالات في الإدارة الأميركية العسكرية، نظرًا إلى اعتراضهم على قرار ترامب، وكذلك انتقادات واسعة من أعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي ومن حلفائها الأوربيين أيضًا، وقد تبلور ذلك بإعادة إخراج هذا القرار بالتصريح بأن الانسحاب الأميركي سيكون بطيئًا جدًا، وعلى مراحل، وهو ما أكده جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي، مشترطًا توفير الأمن لحلفاء الولايات المتحدة الأكراد في شمال شرق سورية.

كل ذلك جاء بعد الاتصال الهاتفي، بين الرئيسين ترامب وأردوغان، حيث قلبت المعادلة من التسخين إلى عقلنة الموقف، وبدأ يتغير الاتجاه حيال التحالفات في شمال شرق سورية، لكون الرئيس ترامب لا يرى مصلحة لأميركا، في البقاء في أرض (الموت والرمال) وفق تعبيره.

من هنا، تأتي المناوشات والتجاذبات والقصف الكلامي، للوصول إلى حلول وسط وللتهدئة العسكرية. فالروس الذين حصدوا الريح، بسبب عرقلة ترجمة انتصاراتهم العسكرية إلى مكسب سياسي يعود عليهم بالربح، وبدا قلقهم من التقارب الأميركي – التركي، وصفقة صواريخ (باتريوت) التي تعتزم تركيا شراءها من أميركا، وأثرها في صفقة صواريخ إس 400 مع الروس، وقدوم جون بولتون في زيارته لأنقرة التي قد تحسم كثيرًا من القضايا الحساسة والساخنة العالقة بين الأتراك والأميركيين، وإبعاد صوت طبول الحرب عن المنطقة.

يبدو أن ما يحدث من تحركات في الشمال السوري يبقى ضمن التوافقات والمفاوضات، فإيقاعها يبقى تحت السيطرة، حيث التفاهم والتناغم، وهذا ما برز في إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده قررت التريث مدة زمنية، لم يحددها، حول إطلاق العملية العسكرية شرق الفرات، وذلك على خلفية الموقف الأميركي الجديد.

وعلى ذلك، فإن ترك فرصة للدبلوماسية بين الدولتين (تركيا والولايات المتحدة) لتحقيق المصالح المشتركة، من خلال التوافقات بينهما، مع استبعاد أي عمل عسكري واسع، هو الأمر المتوقع على المدى المنظور. ولا يُستبعَد أن تحدث مناوشات، تبقى ضمن إطار السيطرة، فمن غير الممكن أن تتحرك دولٌ لها مناطق نفوذ وتجلب أساطيلها من مختلف المشارب، من دون “همروجة” تحريكية، إذ هناك دول تحارب على الأرض لحماية النظام بذريعة الحفاظ على الشرعية، ودول أخرى تحارب في إطار مكافحة الإرهاب، من دون التعرض للمستثمر والمنتج والصانع لهذه الظاهرة، وكأنَّ سورية أصبحت بلدًا للاستثمار العسكري والسياسي والاقتصادي، من دون الالتفات إلى جراحاتِ أهلها ومعاناتهم وتشردهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق