مقالات الرأي

حين تمشي السنوات مقلوبة على رأسها

قبل سنين، مشى السوريون في طريق حلم التغيير، ولم تمضِ مدة حتى صار الحلم أن يعودوا للطريق، ومع الوقت، صار الحلم أن يجدوا الطريق.

في ذلك العام، اختلفوا قبل أن يصلوا نحو المفترق الحاسم لتحقيق الحلم، وبعده صاروا فسيفساء بألوان وأشكال وأبعاد مختلفة، ليس بالطوائف وما طَفَا عنها في ولاءات صدفة الولادة، ولحظة التصنيف الأولى، إنما بالتوجّه السياسي، وبالولاء لمنقذين خارج الحدود لا يتجمعون ولا يتفرقون. ولوحة الوطن صارت منحدرًا نحو الهاوية، ومن بقي ممسكًا بالطريق يقف مشدودًا كقصبة إنقاذ على حافة الهاوية، يمدّ أنفاسه لينقذ ما يمكن إنقاذه، تنقطع الأنفاس ولا أحد يلتقط القشة. لتتعمق الهاوية ويزداد الغرقى، ويسقط الطريق في متاهة تبدلات وتدخلات، إقليمية ودولية، ويصبح القهر عنوانًا واسعًا. فالمقهورون لم يتّحدوا لمواجهة قاهريهم، إنهم يقتلون بعضهم بعضًا، في صراع طغاة لن يقفوا بجانب الشعوب مهما كانت محقة، ويزداد الفتك واللعب بالدم السوري. أما الطغاة في عالم إنسانيته تساوي حفنة مكاسب، فيحزنهم الموت السوري، ويزعجهم الدمار، ويغضبهم ألا يتم القتل كما يجب، هذا موجز بياناتهم.

لأن كل شيء يبدأ من الفكر وينتهي به؛ كانت الأفكار أكثر عجزًا، فأفكار السوريين كانت تدور على محاور مختلفة، لا تصنع ستارًا يجنّب البقية الموت أو يكتم الرصاص. وحدهم الطغاة يخافون الأفكار أكثر من الرصاص، إلا أنهم لا يعدمون الوسيلة بسحب زبدة الأفكار، وعجنها مع طحين الموت الفاسد لصنع عجينتهم القاتلة، يخلطون مكوناتها جيدًا لتصير الحرية إرهابًا، والتغيير أمراء حرب، والديمقراطية تقسيمًا للبلد، والخلاص من الاستبداد احتلالًا أو احتلالات بالجملة، ويوزعونها خبزًا مرًا على أولئك المشردين في الداخل والخارج الذين صاروا تقسيمًا آخر يضاف إلى الانقسام السوري، فأرواح السوريين أصبحت تائهة في فضاء أماكن مختلفة، وهمومهم مختلفة حتى لو تعلّقت على جدران البيوت أو على مفاتيحها التي لا تهدأ سلاسلها عن الرجفان بحلم عودة إلى بيت صار مفتاحه نبضًا إضافيًا لمضخة قلوبهم بعد دمار البيت، نبضًا يوقظهم كل حين ليخبرهم بقسوة التشرد، ويعيد أحلامًا لا تزول أو تزال.

إنها حرب بجملة حروب ستشكل غدًا تاريخًا لشعب واحد. عناوين عدة تنمّطت على مرّ السنين الثمانية، تتكرر كليشيهاتها وتستخدم لتوصيف الصراع على أكثر من جغرافية، وكل صراع يتبعه في الظل صراع أكبر، وتصير المناطق بعضها ساخنة وبعضها باردة، داخل مرجل واحد يستمر في الفوران. إنها متوالية القتال الولادة، ترسم بنيرانها نفس المصير في احتمالية الموت، واحتمالية الحياة للمقاتلين لا يهمّ مع أي جهة تقاتل، ما يهمّ الخروج من المعركة محمولًا أو سالمًا لتروي حكاية الدم، وبطولات القتل التي تنغرس في ذاكرة مقاتلين تفرقهم اتجاهات الأسلحة واختلاف الحكاية، ويجمعهم تساوي فرص الحياة بالموت. وعلى الطرف الآخر تستمر حكايات الدم بتفاصيل مختلفة يهمّ فيها طريقة الموت وماهية القاتل، لتعطي قيمة للضحية في ميزان الوضع الراهن، وتتوزع المواقف وتخاض الصراعات الكلامية فوق صفحات المنابر “الاجتماعية” تهز الأوتار العميقة في الدين والطائفة والعرق، لتمتحن ما تبقى من إنسانيتنا وإنسانية غيرنا، في صراع المواقف لمكونات شعب صار يقاتل ظله في الآخر، لترشّ فوق كل الصراعات صراع القيم الإنسانية.

لم يكن مرور عام بشهوره المكتظة بأيام سوداء سهلًا على من سكنوا هذا الحيز الجغرافي الذي يدعى “الوطن السوري”، فالبؤس السوري صار جزءًا من الحرب ذاتها تندفع طلقاته القاتلة بطرق مختلفة، يتطابق فيه القهر على ضحايا يغتالهم الموت عن بعد، مع العجز وتلويناته المختلفة التي تضيّق الخناق على السوريين، كيفما التفتوا، وتظلل أيامهم كلاحقة ضرورية لرحى الأحاديث عن الموت والدمار، عن الغلاء والفساد وعن الحاجات الأساسية الغائبة. ويتراكم العجز ويخطّ كلماته المترنحة التائهة بين فضاء الرغبة بالقدرة على التغيير، والواقع الذي ينفي تلك القدرة بحرف واحد شكّل معضلة بالنسبة إلى السوري، فحلمه بقول “لا” لم يكتمل بجملة مفيدة تنقذه من براثن العجز، وتنفي الظلم، وبدل إصراره على قول “لا” للفساد والدمار والتدمير، تحولت “لا” جوابًا في جملة قاتلة للفعل “لا نستطيع فعل شيء” تقود الإحباط، وتقيّد القدرة على التغيير، والبحث عن العدالة.

سنوات الحرب لن تشبه غيرها من السنين، أو تنتهي بقلب روزنامة الأيام، ولا تذبل أوراقها مع نيران الحرب وتسقط، فالمصيبة مستمرة تسجلها المآسي المرافقة لأنفاس السوريين التي لا ينتبه أحد إليها لملاحظة رغبة الحياة والتوق للخلاص. فالكل مُنشغل بتأثير القضايا الخارجية، تشابكاتها اختلافاتها وتوافقاتها، خلال إنجاز المهمة وتوزيع الثمرات، الثروات، المناطق، القتلى والأحياء، والتي تطرح نفسها كجزء آخر لصراع أفقد السوريين قدرتهم على إيجاد حلٍّ لظلال الموت وطرقه الملتوية التي وصلت نهايتها أو شبه نهايتها في 2018، ولكنه لم يصل إلى النهاية الأفضل، باعتبار أن أسوأ تسوية للنزاع أفضل من الحرب.

نعم، توقف الرهان على البندقية، ولكن ساحة الصراع السوري لم تندمل بعد، وطينها لم يبتلع المخيمات وأطفال المخيمات وحدهم، بل غرق في جوفه الكثير من الأمل. لقد خرجت حياة السوريين من مدار الأهداف التي سعوا لتحقيقها، ووقف بعضهم على ناصية اليأس، يستجرُّ ما حفظته صفحات التاريخ من الصور المخفية لمن ظُلِموا وهُمِّشوا وقُهِروا وصاروا أرقامًا لمجهولين، لا يلتفت إليهم أحد. وبعضهم ما زال يبحث عن طريقة للخلاص من تلك القيامة التي قامت على رأس شعب كان أعزل وبقي أعزل، فسلاح الآخرين ليس سلاحه، وأهداف الآخرين ليست أهدافه، وما حدث من سجالات الشرّ والشرّ المضاد، ستنتهي بطريقةٍ ما قد تكون مجرد “تغريدة”، أو “هاشتاغ” ترمى على صفحات افتراضية لتخلق واقعًا من خلط الأوراق، لكن لا شيء يدوم إلى الأبد. فبعد أن أعلنت الحرب حضورها القاتل، وعلى الرغم مما أراقته من دماء، أحرقت في مرجلها عقائد وأيديولوجيات وأفكار وقوى وأحزاب ونُخب، لكنها لم تحرق شوق السوريين لسورية جديدة، ولم تنهِ إمكانية الانتقال من ثورة سياسية مستحيلة إلى ثورة فكرية يدافع فيها كل المظلومين عن حقّهم بحياة أفضل، هذا ما يمكن أن يتمسك به شعبٌ صار ضحيةً لسلطة الأمر الواقع، تحكمه وتحاكمه كقاتل لذاته في مسارات عدالة زائفة تجعل العنف عادلًا.

في الحرب، تمشي السنون على رأسها، وسنون السوريين المقلوبة لم يتزن مسارها، وترميم ما كُسر لا يتم بإعادته إلى ما كان عليه قبل الكسر، إنما إلى لحظة الكسر وما تُرتّبه من معالجات، ولا يمكن أن يتحوّل شعب بأكمله إلى شاهدة قبر لمطالبه المحقة، دون أن ينظر إلى الجانب الآخر في نهاية النفق، حيث يمتدّ الطريق لتحقيق الحلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close