سلايدرقضايا المجتمع

الطبيعة حين تظلم السوريين أيضًا

أيّ كلمات معبّرة تختزل مأساة السوري، وقد باتت مخيمات التهجير والنزوح عنوانًا صارخًا لكارثته المستمرة! كلّ قيم الإنسانية والحياة تتجمد في عرسال اللبنانية، تميع مع السيول في خيم الجنوب السوري، في الركبان والزعتري، ولم يكتفِ الموت بحصته من السوريين، فكان لا بد أن تأخذ الطبيعة حصتها، برد وعطش وجوع وخوف، ثم حصار وقهر وظلم، وللحزن في المخيمات رهبة أخرى، كما للفرح المؤجل، أسئلة متزاحمة من الشكوك والترقب والإصرار، مزيج معقد من الخواطر والمشاعر الإنسانية المتضاربة حينًا، والمتجمدة أحيانًا كثيرة، في فصول السوريين، كلها تجمعت دفعة واحدة في محنة السوريين.

مثلما تراكمت جثث السوريين مع حطامهم، في بلداتهم ومدنهم وقراهم، بفعل وحشية النظام، ومثلما كانت نداءات المحاصرين والجوعى والجرحى تلهث وراء تفاصيل الضمير البشري لتوقظه، تُطارَد اليوم نداءات تتجمد في طرق وعرة، لا تُهملنا قسوة الثلج ولا السيول الجارفة ولا تدعنا نبلغ دفء جسد يضيع، فمهما كانت الحناجر صادحة؛ فلن تبلغ مستوى تراكم الثلوج، الخيم الهشة والأعمدة المنخورة وتنك النار كلها تستنكر تأجيل الموت.

أربعة وعشرون فصلًا مرّت على السوريين في نزوحهم، اقتحمت جميعها حياتَهم، صيفهم وخريفهم شتاءهم وربيعهم، فصول من الحقد والعنصرية والظلم، لأنهم أطلقوا صيحة حرية واحتجاج، فرضت عليهم تحمل ما يفوق طاقة البشر، من قدرة على احتمال برد الشتاء وثلجه، والصيف وناره. البراميل المتفجرة وحطامها تحمل مصير جثث متفحمة، وأحبة خلف زنازين لا يعلم بها سوى الخالق، صمود السوريين في مخيمات النزوح تحت الثلج والسيول ليس بطولة، إنما عار إنساني، ودليل حسي على أن التخاذل والتخلي عن السوريين كان -منذ اليوم الأول- قرارًا يساند قاتلهم ومهجرهم ومحطم مستقبلهم.

ملايين المهجرين والنازحين، ينظر إليهم النظام السوري مع سلطات الدول التي تستضيفهم نظرة مشتركة لبيئة معادية، تخاطب غريزة السلطة في عقابهم، وممارسة أقسى أنواع الاضطهاد ضدهم. لقد حكم هذا المنطق نفسه تفكيرَ العديد من النخب “السياسية والشعرية والروائية والإعلامية” في وصف حالة السوريين الثائرين على نظام الأسد، وفي وصف ملايين المهجرين والنازحين، وهكذا حاكَم كثيرون منطقهم، تحت غطاء النظام وتأمين الدفء والحماية له، هو أيضًا منطق سلطات تستقبل اللاجئين السوريين، وتتسول عليهم مليارات الدولارات من المجتمع الدولي، بينما تمارس الإذلال نحوهم، خدمة لأجندة النظام وخططه لإعادة إخضاع السوريين.

تدفعنا مأساة السوريين المركبة، بفعل وحشية النظام وقسوة الطبيعة وظلم ذوي القربى، إلى أن نتساءل: ماذا كان بوسع المتباكين على القضية السورية أن يفعلوا غير الذي فعلوه من خدمات مساندة للأسد، وما هو الشكل الذي كانت ستدور به مساعدة السوريين؟ فكل أشكال الدعم، بما فيها الخيمة المثقوبة والغارقة في وحل وثلج، تبقى مرعبة للنظام ونقطة اجتذاب لأصل كرامة وحرية السوريين، وهي الأصل في ربيعهم المطالب بحرية من دون الأسد.

لن يتحقق دفءٌ وكرامةٌ وإنسانيةٌ للسوريين، باستمرار التغاضي عن النظام وجرائمه، حتى لو كان هناك اقتلاع لمخيمات اللجوء، ودفع الملايين منهم إلى عودة قسرية للقبول بحكم الأسد، كما يتمنى بعض الواهمين والحالمين على المسرحين العربي والدولي، فلن يدفع هذا إلا إلى مزيد من الأسى والتمزق والضياع وتكريس قواعد الجريمة. مأساة النازحين هي بفعل جرائم الحرب والتهجير التي عمل النظام على إحداثها، ونشر الدمار فوق المناطق الثائرة.

عدم إغاثة اللاجئين في مخيماتهم طوال العام، وفي أماكن التهجير، والأهم تجاهل قضيتهم والتآمر عليها بذرائع مختلفة، تارة بسبب تراكم الثلوج، وأخرى بسبب السيول، ومرات بفعل تعنت النظام، وغير ذلك من ذرائع العجز الدولي المفضوح على نية التآمر، يعني إعطاء الأسد فرصة لإعادة ترميم ثقته بنفسه، من جراء تراكم الجرائم التي لن تغطيها ثلوج وخطوات تطبيع فوقها، تدلّ على دم وجثث ملايين السوريين، وفي كل ذل وقهر متعاظم على السوري، يكون هناك إصرار أكثر عظمة وقوة على أن لا خلاص لسورية إلا بربيع جديد لا أسد فيه، ويتخلص المجتمع الدولي من ذرائع ظلت تتراكم مع الثلوج.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close