تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تركيا وضرورة التحرك في إدلب

تواصل “هيئة تحرير الشام” قضمها المناطق الحيوية المحيطة بمدينة إدلب؛ بهدف تنفيذ القسم الأخير من استراتيجيتها المتواصلة منذ 2014، فهي تسبق الفصائل المنضوية تحت “الجيش الحر” أو “الجبهة الوطنية للتحرير” بخطوات للأمام، وتُهيئ الساحة لخوض مفاوضات سياسية مع دول الإقليم، بعد أن تضمن مصادرة قرار السلم والحرب في محافظة إدلب، وقد يبدو سلوكها هذا -ظاهريًا- مخالفًا لاتفاق سوتشي الموقع بين أنقرة وموسكو، في 17 أيلول/ سبتمبر العام الماضي، فالاتفاقية متوقفة عند تنفيذ بند تفكيك “هيئة تحرير الشام” وإخراجها من المعادلة، وفتح الطرق الدولية.

في الوقت الذي يحتدم فيه المشهد في شرق الفرات، بين الخصوم والحلفاء الدوليين، أقدمت (الهيئة) على شن عمليات عسكرية سلسلة، وسيطرت على حساب فصائل، كانت قد أنهكتها سابقًا بمعارك في منتصف 2017 وأوائل 2018، على الطرق الاستراتيجية، والمعابر التي تصل ريف حلب الغربي بالشمالي، بما فيها مدينة الأتارب وجبل بركات، ودارة عزة، وصولًا إلى سهل الغاب وجبل شحشبو، لتنقل دائرة المعارك إلى الشريط الواصل بريف حلب الشمالي مع ريف إدلب، بهدف بسط السيطرة على معرة النعمان وأريحا، وإذا تحقق لها ذلك، على حساب “الجبهة الوطنية للتحرير” فإنها تكون قد أحكمت قبضتها على مفاصل الطرق الدولية (إم 4 وإم 5)، إلى جانب التحكم في المعابر الاستراتيجية. وقد تلجأ بعد ذلك إلى الانتقال للخطة (باء) بتسويق نفسها عبر “حكومة الإنقاذ” الواجهة السياسية لها، لإدارة المحافظة، وتأمين نقاط المراقبة التركية، وليس بغريب أن تقوم مرة أخرى بإيمائها إلى المجتمع الدولي بالتماهي معها، عبر إجراء بعض التغييرات في الشكل، لا في المضمون، كأن تغيّر مسمياتها من “هيئة تحرير الشام” إلى اسم آخر يكون  أكثر لباقة، إضافة إلى تعديلات على مستوى قيادات الصف الأول، والدفع بـ “حكومة الإنقاذ” أكثر، لاستلام زمام المبادرة السياسية. وكل ذلك بهدف استرضاء تركيا وموسكو، للتعامل معها من جديد، كما حدث سابقًا في اتفاقات المدن الأربعة، وملف سكة الحجاز ومعبر أبو دالي.

إن كان ثمة تفسير لتحرك (الهيئة) في هذا المنعطف الذي تمرّ به المنطقة، فهو استغلالها لعامل الوقت، ففي الوقت الذي يترقب فيه العالم ما ستؤول إليه الأمور في ملف شرق الفرت ومدينة منبج، وتبادل الاتهامات والتجاذبات، بين روسيا وتركيا وواشنطن، وما أحدثه من بعثرة للأوراق على ضوء قرار ترامب الانسحاب من سورية، دخلت “هيئة تحرير الشام” على الخط الساخن، وأعادت الأنظار إلى إدلب، وهو ما يشي بأمرين لتفسير هذا السلوك:

الأول أن (الهيئة) استغلت اهتمام تركيا وتوترها، في موضوع حسم دخولها من عدمه في شرق الفرات، ولا سيّما أنها قد حشدت قوات هي الأكبر منذ عمليات (غصن الزيتون) و(درع الفرات)، وبالتالي لعبت (الهيئة) على عامل الوقت، بعد فشل محادثاتها السرية مع تركيا، ورفضها فتح الطرق الدولية التي من المفترض أن تفتح نهاية عام 2018، حسب بنود الاتفاق. وبهذا السلوك تكون قد أحرجت تركيا، ووضعتها أمام خيارات صعبة، منها تهديد تفاهماتها مع موسكو في إدلب، وتشتيت تركيزها لاتخاذ موقف وقرار، في اختيار المكان والزمان المناسبين لبدء عمليات عسكرية، تنحصر إما بمعركة ضدها في إدلب، عبر فصائل “الجيش الحر”، وإما بترك الساحة والتفرغ لشرق الفرات، ولا تخفى التداعيات الأخرى التي قد تترتب على تركيا، حيال استغلال النظام وموسكو ذريعة تمدد (الهيئة) للضغط أكثر عليها، وهو الأمر الذي سيقود إلى كارثة، إذا ما قررت موسكو الدخول بسلاح الجو لشن عمليات ضد (الهيئة) بدعوى أنها هددت الاتفاق.

على الرغم من أن موسكو وأنقرة ترغبان في المحافظة على سير العلاقات والدفع أكثر نحو التنسيق، فإن المصالح في النهاية قد تفرض نفسها، وتضع الحليفين أمام اتخاذ القرار، وبحسب التصريح الصحفي لوزير الخارجية التركي، يوم أمس الأربعاء 9 كانون الثاني/ يناير 2019 الذي اعتبر أن اتفاق سوتشي ما زال متماسكًا، على الرغم من إقدام الفصائل الراديكالية على حروب جانبية، يرشح أن تركيا تتريث وتراقب إلى ما ستؤول إليه التطورات في إدلب، لتتخذ على ضوئها قرارات قد تكون مصيرية على صعيد المنطقة، ولعل هذا التريّث هو السبب في إيعاز تركيا لـ (الجبهة الوطنية للتحرير) و(فيلق الشام) بعدم الدخول في مواجهة مباشرة مع (الهيئة).

أما التفسير الثاني لسلوك (الهيئة) الأخير، فيدخل في سياق تنفيذ (هيئة تحرير الشام) اتفاق سوتشي، ومن المعروف أن (الهيئة) قبلت -ضمينًا- بالاتفاق على خلاف بعض الفصائل التي رفضته كـ “أحرار الشام”، وعليه فإن غض الطرف التركي عن المعارك يدخل في سياق إعادة ترتيب وهيكلة الفصائل، والتخلص من الأطراف التي تشكل مبعث قلق عليها، ولعل تأخر وصول الرواتب المالية والدعم التركي للفصائل يدخل في هذا السياق، بمعنى أن تركيا تقوم بخصخصة للفصائل، تمهيدًا للوصول إلى قوة موحدة تكون قادرة على إدارة المنطقة، وفرض الأمن وإدارة المعابر والطرق الدولية من دون أي اعتراض على توجهاتها، وإذا ما صح هذا الفرض؛ فستكون (هيئة تحرير الشام) قد نفذت ما يجب عليها تنفيذه، لاستجداء تركيا لاحقًا، كقوة مركزية قادرة على التفاوض مع الجهات الدولية عبر (حكومة الإنقاذ).

لكن أيًا كان من هذين الخيارين فإنهما يتجاوزان -بشكل أو بآخر- كلمة الشعب السوري القابع بمساحة جغرافية ضيقة، وبتعداد 5 مليون سوري، وهم لن يقبلوا بكل تلك الحلول، وفي نهاية المطاف قد تدخل تركيا في حالة استعصاء آخر إلى جانب احتدام الموقف في شرق الفرات، خصوصًا بعد التهديد الأميركي من قبل جون بولتون، بوضعه المحددات الأميركية للانسحاب، ووضع شروط على تركيا إزاء أي تحرك ترغب فيه في منبج، ولا يغيب احتمال استغلال “وحدات حماية الشعب” الكردية تطورات إدلب للدخول على الخط والتنسيق مع النظام وإيران، من أجل التحرك الفردي والضغط أكثر على تركيا، ولا سيّما بعد رغبة واشنطن في المحافظة عليها.

أمام هذه المعادلات وحجم المخاطر في تداعياتها على تركيا؛ يتحتم على تركيا التحرك العاجل في إدلب، أولًا لقطع كل الذرائع أمام تعهداتها أمام المجتمع الدولي في اجتثاث “هيثة تحرير الشام”، لأن سياسية المد والجذر مع (الهيئة) لن تجدي نفعًا في المدى البعيد، وستصطدم -بشكل أو بآخر- مع رغبات موسكو التي ما زالت تشدد على عودة كامل الجغرافية السورية إلى النظام السوري.

ومما يدفع تركيا إلى التحرك، كثرة المتحالفين عليها، سواء من قبل النظام وحلفائه، أو من محور الإمارات السعودية، الذين ينسقون فيما بينهم لمنع التوغل التركي في سورية، وبالحديث عن الأولويات التركية والمحددات، فإنها تدخل في سياق دفع المخاطر عنها، ولن تنجح بذلك إلا بالتحرك نحو إدلب أولًا، بناءً على التطورات الأخيرة ولتفادي أزمة الهجرة وانفجار الوضع الداخلي، والتحرك هنا لا ينطبق على الصعيد السياسي فحسب بل العسكري.

لا يقلّ مخطط “هيئة تحرير الشام” خطورة، عن مخطط “وحدات حماية الشعب” الكردية، الذي تُعطيه تركيا الأولية، على حساب استمرار احتواء الوضع في إدلب، من خلال التنسيق مع الروس في اتفاق سوتشي، لكن احتمال فقدان السيطرة أصبح واردًا بقوة، وبالنظر إلى موقف الحلفاء المحليين والدوليين في المشهد السوري، تبدو تركيا اليوم قابعة على حمم بركانية حارقة، وإن الاستمرار في سياسة الاحتواء لن يجدي نفعًا في المدى المتوسط وليس البعيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق