سلايدرقضايا المجتمع

ليست منخفضات جوية وحسب

لم يكد ينتهي عام السوريين هذا، العام الذي شهد المزيد من النكبات والكوارث العامة السورية، كنتيجة للتغول والغطرسة العسكرية الروسية بالمبدأ، إلا بشق الأنفس، والسوريون يحاولون مغالبة أنفسهم وأوجاعهم وكوارثهم، متسامين على جراحهم، آملين أن يحمل لهم العام القادم شيئًا من خير، وشيئًا من أمل. يحدوهم الأملُ في التغيير الوطني والاتجاه نحو الدستورية والقانونية ورفعة المواطن وتكريمه في دولة المواطنة، والحلمُ الذي ما زال يُواجَه بمزيد من العنف وتغول الجريمة المنظمة والمنهجية بحق شعب بأكمله. حيث كان يتوقع “البعض” السياسي أن يحدث تغيير في موازيين السياسة الدولية لمصلحة الحق الوطني، ولكنهم فوجئوا بمزيد من منخفضات السياسة وعوالقها، وكثير من مطباتها الجوية، وليس هذا وحسب، بل تأتي الطبيعة للعام الرابع على التوالي في مثل هذه الأيام، بمنخفضاتها الجوية القاسية شديدة الوطأة على أطفال الشتات والمخيمات، ليصبح الموت بكل الطرق فجيعة عصر، وتصبح أخبار موت الأطفال في مخيمات عرسال وغيرها، مثار جدل في صدقية الصور المتناقلة، منذ عام 2015، وعام 2019 اليوم، بلا طائل في التحديد، سوى أن العالم -بمنظماته الدولية وحقوقه الإنسانية- لم يعد يأبه لمصير الأطفال ولا النساء ولا الشيوخ، كيف لا ومصير ملايين المهجرين وآلاف المعتقلين والمفقودين طُوي في أدراج المكاتب، والبحث عن الجاني مجرد بازار سياسي، سيتفق عليه قواد العالم بطريقةٍ أو بأخرى.

ليست عواصف جوية قاهرة وحسب، فهناك ما يحار له قلب المؤمن وتحار معه الروح الوطنية، فتصريح ترامب بالانسحاب من سورية عاصفة جليدية تحط في سورية، ودرجة الزمهرير فيها أن سورية “بلد موت وصحراء عارية”، إذًا هي ليست أفغانستان بمزارعها الواسعة للحشيش، ولا ملايين البراميل من بترول العراق! هكذا تحسبها المصالح الدولية بكل سطوتها، فكيف يحسبها السوريون؟ فريق “المقاومة والممانعة” ترنّم وطاب له الغناء، على وقع هزيمة أميركا وهي تجرجر ذيول هزيمتها! وفريق السوريين الأكراد وقعوا في فخ التخلي عن حمايتهم وأمنهم! وفريق الرومانسية المعارضة، من شيوعيين وقوميين، يرون فيه نصرًا للوطنية السورية، وفريق آخر من معارضة أو موالاة ينتظرون صفقة من سيحل محل الأميركان، أما الوطنيون الراغبون في ألا تكون هناك قاعدة أو عسكر أجنبي على أرضهم، فيقفون في صمت وذهول: ما هي الصفقة القادمة لسورية؟ وهل ستكون بطيئة حذرة، كما صرح عنها ترامب في وصفه الانسحاب منها؟ هل هي مقدمات لصفقة القرن؟ أم سيكون هذا الانسحاب -بتمامه ومحدداته السياسية- تتويجًا لـ (صفقة القرن) المعلن عنها أواخر شباط القادم! وما هو بالضرورة شكل سورية القادم؟

في الجهة الأخرى، يبدو أن صقيع سيبريا السياسي يكتنف المنطقة، ففوق الجليد والمنخفضات الجوية المتتالية، منخفضات سياسية متتالية، بعد أن كانت طلعات جوية حارة لأسراب طيرانها، فلا حلّ في سورية إلا وفق ما تراه موسكو جيوسياسيًا، وبالضرورة تجميد العمل باللجنة الدستورية، ما لم تحقق مصالحهم هم بالذات، ولا حل سياسيًا ممكنًا إلا وفق مرجعيات سوتشي وأستانا سيئة الصيت والسمعة، ولتضرب بالحائط كل الشرائع الدولية والمواثيق الأممية.. وليس هذا وحسب، بل تدفع بكل السبل للضغط على المحيط العربي، وذلك بالاتفاق والتفاهم مع الأميركان، بوضعهم أمام خيارَين: التمدد الإيراني واستنزاف دول الخليج أو القبول بمعادلة فائض القوة الروسي وما سترسمه للمنطقة عامة وسورية خاصة، وتحجيم الوجود الإيراني فيها لكن على طريقتها، واستبقاء سورية لعقود ضمن مجالها الحيوي، وفي محيط دائرتها الجيوسياسية الثالثة كصلة وصل ومعبر بين تركيا، بوابة أوروبا، وإيران بوابة آسيا جغرافيًا، لتضمن بذلك مصالحها البترولية والغازية وصفقات بيع الأسلحة، ووجودها الدولي السياسي كقوة عالمية كبرى تضاهي أميركا، على أن تبقى المنطقة برمتها تحت تأثير منخفضاتها السياسية الباردة أو طلعاتها الجوية الهمجية…

في أعوامها الثمانية الماضية، اعتاد السوريون مسلسلًا طويلًا من التغيّرات الدولية في شأنهم المحلي، كانت كثافتها قد تجلت بوضوح في مسارات سياسية طويلة النفَس إقليمية ودولية، خاصة تلك التي أفصحت عن نفسها بتدخلات عسكرية ميليشيوية ذات منشأ طائفي إيراني، قابلها على الجانب الآخر مزيد من التطرف المنهجي، حيث وقع عموم الشعب السوري بين مطرقتي الإرهاب الديني والتطرف والصلف العسكري، وكل يدعي أنه “إخوة المنهج” أو صاحب الحق الوطني أو الشرعي أو حتى المخيّر من قبل الله، عزّ وجل.. وليس هذا وحسب، فقد زاد الطينَ بلّة التدخلُ البوتيني الروسي بكل عنجهية الدولة المارقة بذريعة “محاربة الإرهاب”، وهو لم يحارب إلا الشعب السوري وحسب، ودلائل حربه باقية إلى اليوم ومستمرة في نكبة ملايين المهجرين من السوريين الذين يعانون موت صقيعهم وموجات منخفضاتهم القاتلة، ولعهرٍ في تاريخ الدولة العظمى، تتغنى روسيا -على لسان وزير دفاعها- بتدرّب جنرالاتها بالشعب السوري على أحدث أنواع الأسلحة، عبر (سبوتنيك) بالعربي، وهذه التصريحات المهمة لمبتلعي الطعم الروسي وموضوعة حرب الإرهاب من “المتشيعين الجدد”، تؤكد أن الدمار الذي طال معظم المدن السورية كان بتوافق عسكري منظم، توازعته قوات ميليشيات طائفية وأدوات تطرف قاعدي وداعشي، اشتركت جميعها في قتل السوريين، وتدمير حضارتهم وتهجيرهم، حتى بات عنوان التغيير الديموغرافي والموت في صقيع المخيمات أو محارق المعتقلات مجرد عنوان عابر في الإعلام العالمي.

ذات شتاء بارد، كنا نحيط بالمدفأة من كل جوانبها، نحتفي بالمطر والثلج، نصنع تماثيل الثلج ونحلم، نحلم بأن يشمل الدفء حياتنا السياسية، حين نصبح مواطنين لا عبيدًا، واليوم حين يقترب صوت الرياح نتذكر عهر العالم ووقاحته وتشفيه في قدرتنا على اتخاذنا موقفًا حياتيًا تجاه كل أصناف الاستبداد، فاختار لنا عقابًا جماعيًا ومقبرة كبرى، على بوابة القرن الحادي والعشرين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق