مقالات الرأي

المازوت.. الكهرباء.. الغاز.. الخبز

عنوان هذا المقال ليس مجرد كلمات، إنّها الحاجات المفقودة لدى أغلبيّة السوريين، ولقد تعاظم نقص هذه الأشياء أضعافًا؛ الكهرباء التي هي أهم حاجة يومية للشعب تنقطع أكثر من 12 ساعة في اليوم، وكذلك في الأوقات المفترض أنّها مستمرة.

يضاف إلى ذلك انهيار الدخل والقوة الشرائية، وارتفاع أسعار أجور السكن، ولن نتكلم عن بقية الحاجات. هناك سوريون في المخيمات في الدول المحيطة بسورية، أو على الحدود السورية “الأردن، لبنان، تركيا”، ووضعهم هو الأسوأ، وهناك أهالي المدن التي كانت محاصرة، وبقيَ بعضهم حينما حصل التهجير في 2018، وهؤلاء يعانون الأمرين. إن سكان الغوطة بالتحديد لم تُعَد الخدمات إليهم، ويتعرضون لمختلف أشكال الإذلال يوميًا، وبعد هاتين الفئتين، يأتي المستأجرون في المدن التي ظل النظام مسيطرًا عليها، وبالطبع هناك معاناة كبرى للسوريين الذين لم يجدوا عملًا منتظمًا، في الأردن وتركيا ولبنان. فصل الشتاء عادة هو الأسوأ، ففيه تتزايد الحاجات إلى ما ذكرت، وتندر فرص العمل، وتنقص القوة الشرائية، ويتعرض السوريون لكل أشكال الأزمات.

النظام هو المسؤول عن كل أزمات سورية، قبل 2011 وإلى الآن، وعن حال السوريين أينما كانوا، فهو من كان بمقدوره إنهاء ذلك، وما زال بمقدوره أن يُغيّر المعادلات، ولكن ذلك “فتٌّ خارج الصحن” أي ليس ضمن حساباته هذا الاحتمال. كرّرَ النظام منذ 2011 أن مشكلة سورية هي الثورة “المؤامرة الدولية والخليجية، الإرهابيون، الإمارات السلفية”، وبانتهائها تعود المياه إلى مجاريها! الآن هو يسيطر على أغلبية المدن السورية، ولكن المياه لم تعُد، ويبدو أنها لن تعود أبدًا؛ ففي الغوطتين الأمور تزداد سوءًا، وفي دمشق الخدمات رديئة أو نادرة، وكذلك في درعا وحمص وبقية المدن والمناطق. طبعًا الوضع الاقتصادي للنظام في أزمةٍ شديدة، ولكن كل آليات النهب والفساد التي كانت قبل 2011 ما زالت هي ذاتها، بل تضاعفت، وهناك استهتار كامل بحقوق الشعب، وهذا مسارُ تأزمٍ جديد، وهو يتفاعل تدريجيًا. المشكلة الكبرى أن السوريين لم يعرفوا في حياتهم معنى الحقوق، وعاشوا طويلًا بإذلالٍ مستمر، وبالتالي تُشكلُ نهاية الثورة، وانتصار النظام سببًا جديدًا، للخوف منه، ومن انتقامه، ولهذا يفضّلون الصمت والقهر على الخروج للتظاهر مجددًا من أجل تأمين تلك الخدمات.

لن تَعِدَ بثينة شعبان، أو أحد قادة النظام، الشعبَ بزيادة الأجور، كما فعلت في بداية الثورة، وبالزيادات الشحيحة التي لا تتناسب أبدًا مع الأسعار. النظام بدوره لن يوقف نهبه ليعطي للفقراء الذي صمتوا عن جرائمه، أو أجبروا على العودة إلى حضنه؛ الفئات المستفيدة منه والأغنياء، خارج تحليلنا، فهم مع النظام، قلبًا وقالبًا، وتذمرهم لا يخرج عن ممارسة الضغط لزيادة حصصهم من النهب والسرقات والصفقات.

ولكن أين هي المعارضة؟ أين مؤسساتها للنهوض بحالة للشعب؟ هناك آلاف المنظمات المدنية أو غير الحكومية، التي تشكّلت لتأمين احتياجات المواطنين، وهناك ملايين الدولارات التي أتت لدعم المعارضة والفئات المتضررة من النظام، وهناك مؤسسات برّرت وجودها لتأمين تلك الحاجيات. وقبالة ذلك هناك قصص الفساد والمحسوبيات التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تُظهر استهتارًا يطابق استهتار قيادات النظام بالشعب، وهذا يعني أن الفئات التي تدهورت أحوالها -بالمعنى العميق- هي الشعب الذي ثار، أو صغار الجنود والضباط الذين خُدعوا باسم الوطن أو الطائفة والإسلاميين القادمين لقتلهم والتحكم فيهم. الثورة لم تنتقد نفسَها بعد، ولم تُشهِر بالحرامية واللصوص الذين ركبوا عليها، وسرقوا باسمها، واغتنوا، عبر دمائها وتهجير أهلها ودمار مدنها وبلداتها.

السؤال البسيط هنا: طالما أن المعارضة أصبحت بأغلبيتها خارج البلاد؛ فلماذا لم تشكل مؤسسات مالية، وخدمية نزيهة؟ ولماذا لم تتعلم من خبراتها وخبرات الثورات، حول كيفية إدارة الأموال، واستخدامها للإيفاء بحاجات الشعب، ودفع بقيته إلى الالتحاق بالثورة؟ أليس هذا أحد أهداف المعارضة أو الثورة؟ وماذا فعلت الحكومة المؤقتة وما يشابهها؟‍!

إن وجود المعارضة في الخارج، وتمتعها بالأمان الكامل، وقضايا الفساد، يقول إنها شريكة النظام في تدمير كل ما هو جميل في سورية، وإنّها لم تهتم مرّة بشكل جديّ بمشكلات الشعب. عمليًا، ماذا فعلت المعارضة لإنهاء ظاهرة المخيمات؟! والأسوأ أنَّ مخيمات جديدة ظهرت مع كل حرب شاملة، يشنها النظام أو الجماعات الجهادية ضد الشعب، وآخرها مخيم الركبان ومآسيه، وأما مخيمات لبنان، وتركيا، فتتجدد مأساتها كل عام؛ هذا التكرار الكارثي، ألا يدفع إلى السؤال عن دور المعارضة، وعدم قيامها بمسؤوليتها تجاه الشعب!

بدأ تيار من المثقفين المحسوبين على الثورة يؤكد أن عودة كامل المدن السورية لسيطرة النظام عليها هي أفضل الحلول؛ أي أن عبقريتهم، وشعورهم بالعجز، أوصلهم إلى هذا الحل البائس. فهم، لم يتمسكوا بأن عودة الشعب مشروطة بتحقيق تسوية سياسية، أو ضمن جهود ما يقال عنه إعادة الإعمار، وكشرطٍ للتمويل الخارجي، أو إعطاء ضمانات دولية لعدم اعتقالهم. اليأس وتعقيدات أوضاع السوريين، ولا سيما الذين تحت سيطرة (هيئة تحرير الشام/ النصرة) أو الاتحاد الديمقراطي أو حتى المناطق التي تحت السيطرة التركية، عواملُ تشير إلى أن هناك ميلًا عامًا، إلى الدعوة للعودة إلى حضن النظام؛ وطبعًا هناك من يتمسك بتركيا أو أميركا. لن نتساءل عن إمكانية تحقّق ذلك، حيث إن التسويات التركية الروسية والأميركية تؤكد هذا الميل، أي استعادة النظام كافة المدن السورية.

إن أزمة السوريين في هذا الشتاء القاسي هي الأشدّ، كما يبدو، وإذا كان النظام يتحمل المسؤولية الأولى عنها؛ فالمعارضة كذلك تتحمّل المسؤولية الثانية، وبعد الاثنتين، يصح الكلام عن الخارج. الإفقار الشديد، والانهيار العام للاقتصاد وللحياة الاجتماعية السورية، يؤكدان مجددًا ضرورة استعادة المشروع الوطني للثورة وللسوريين، وأوّلها إعلان المعارضة، كما النظام، مسؤوليتهما عن كوارث سورية، منذ 2011.

الأسوأ أن أشكال المعاناة، التي وصفتُ بعضها أعلاه، لن تتراجع مع انقضاء العاصفة الثلجية وفصل الشتاء؛ حيث إن مشكلة سورية تكمن في افتقارها إلى نظامٍ ومعارضةٍ وطنيين. هنا أسّ الكارثة، وقد تضخمت وتكثفت بعد 2011، وليس من مؤشراتٍ مناقضة لها!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close