أدب وفنون

حجر الصبر

نتفق جميعًا أنّنا لا نحبّ الحرب، ما دُمنا نزعم الدّفاع عن الإنسانية، ولا نحبّ مشاهد القتل والدماء والدمار، ولا نحبّ تخييم الموت والعزاء على وجودنا، ولكن في النهاية نحن من يصنع ذلك، وهذه مفارقة عنيفة يشهدها بعدنا الإنساني. طبعًا، ليس من شأن الحرب تحقيق السعادة للبشرية، ولا وعد لها غير التبشير بمستقبل فظيع يقف فيه الإنسان على الخراب الذي أحدثه، وهو يتيم في عمقه الآدمي والرّوحي، إنّه بلا شكّ سيرتدّ مشكّكًا في ذاته، وربّما يدين ما اقترفه من آثام: نعني بالتأكيد أنّ لتلك الحرب طاقة بركانيّة هائجة، تجعلنا نراجع تمثّلنا للإنسانية ذاتها، بما تمثّله الآن من ردّة فعل عنيفة وقاسية ومروّعة على فشلنا الذريع، وإقامتنا المؤقتة في الوجود.

إن من يكتوي بكارثة الحرب، لن يرهب بعد ذلك قيم عصره وأخلاق مجتمعه، ولن يتورّع إطلاقًا في الكشف عن فضائحه الخاصّة، ولن يخجله التصريح علنًا بآثامه وخطاياه؛ فالكلّ أصبح عاريًا من إنسانيته، ويكاد لا يخلو إلا من حقيقته التي تبدو في نظر الآخرين مخجلة ومقزّزة. إنّ من سمات الخراب والانتهاك منحَ الذّات البشريّة الحقّ في الهذيان، وقول ما لا يجب أن يُقال، والاعتراف بما يخجل النّفس، والإقامة في الوجود بشكل عارٍ، كما لو أنّنا إزاء لحظة البدء الأولى؛ حيث الإنسان مجرّد حيوان هائج في البرّية تقوده الرّغبات والنزوات. إنّها الرغبة في العودة إلى الهيوليّ الأوّل، وإلى الحرية المطلقة كضرب من ضروب إفراغ النفس من كلّ محمل حضاري، كان يشدّها دون التصريح بحقيقتها الإنسانية المتعبة والمشوّهة والملطّخة بالآثام.

للهجرة نحو هذه المسألة، ثمّة أفق روائي استطاع أن يهرب من بنوك الحرب التي دارت رحاها في أفغانستان، حين هيمنت حركة طالبان. وقائع فاجعة مدمّرة مزلزلة، وجدت تسريدها في رواية (حجر الصبر) لصاحبها عتيق رحيمي. لنتوّقف هنا: إنّنا لسنا أمام رواية سياسية أو تاريخية أو ذات مطلب أيديولوجي، على العكس من ذلك: يخيّل إلينا، ونحن نطوي الورقة الأخيرة منها، أنّنا إزاء عنف مفهوميّ جديد، ألا وهو جندرة الحرب!!

إنّ ما توحي به هذه العبارة (جندرة الحرب) هو الإقامة عند حدود الألم النسوي في أزمنة الغبار البشري، وقد قدّت منه الحروب والإرهاب طعامًا أخيرًا بين أضراس الضياع، أمّا دلالة (حجر الصبر) فنكتشفها من خلال المتن الروائي: هكذا نقرأ على لسان بطلة الرواية: “أنت تعرف، إنه ذاك الحجر الذي تضعه أمامك، وتبدأ تشتكي أمامه عن كل مصائبك، عن كل آلامك، وكل مآسيك، الحجر الذي تؤمّنه على كلّ ما في قلبك، من أمور لا تستطيع البوح بها أمام أحد، يصغي إليك، يمتصّ كلماتك أسرارك كلها، حتى يأتي يوم وينفجر فيه، ويتناثر شظايا، وفي هذا اليوم بالذات تتحرر من كلّ آلامك”.

نحن أمام وضع كارثيّ تعانيه تلك المرأة/ بطلة الرواية، وما نكتشفه إذن هو معاناتها نتيجة واقعة مرعبة نزلت بحياتها، فلا حاجة لها غير الشكوى لذلك الحجر الذي يسمّى “سينغي سابور“، ولا هدف من ذلك غير انفجار الحجر نفسه، علّها تتطّهر من كلّ غوائلها.

ما قصّة هذه المرأة؟ ومن يكون ذلك الحجر؟ وما علاقة الإرهاب والحرب والجنون البشريّ بصناعة الوحش الإنساني فيها، حتى ترتكب جملة من الآثام هي الآن في حاجة إلى تسريدها، وإلى البوح بها أمام “سينغي سابور”؟ ثمّة رجل يصاب برصاصة في عنقه ولم يمت، هو الآن جسد ممدّد على الفراش في غرفة موحشة لا تسكنها غير زوجته التي ترعاه، لا شيء يوجد في الخارج غير أصوات المدافع والرصاص، ولا شيء يسمع في تلك الغرفة غير أنفاس ذلك الرّجل، وغير هذيان تلك الزوجة، ولا أحد يزورها غير بعض المقاتلين، منهم شابّ علّمته فنّ ممارسة الجنس بمقابل مالي، هي لم تكن ترغب في ذلك، ولكنّها الضرورة نتيجة الخوف والرعب والرغبة المتوهّجة في تدمير الذّات بعد أن شوّهت. كان يرغب في التجربة لا غير، ولكنّها حين اكتشفت اضطرابه الجنسي علّمته، لقد كان يتعرّض للانتهاك الجنسي من قبل مقاتل أجبره بالقوّة على ذلك.

– “نعم هو أنت، أنت سينغي سابور، خاصّتي أنا!”، تلامس وجهه بنعومة، كما لو أنها فعلًا تلامس حجرًا ثمينًا. “سأقول لك كلّ شيء، يا حجري سينغي سابور، كل شيء، سأبقى أحكي لك حتّى أتحرر من كل آلامي، من كلّ عذاباتي”.

ربّ مفارقة مدهشة مكّنت تلك الحرب التي أوقعت بزوجها طريح الفراش، ليصبح هو الحجر عينه، تطول الأيّام وتمتدّ، وهو مثل جثّة غير قادر على الحراك أو الكلام، هو –فقط- ساكن مثل صخرة، ولا شيء يوحي ببقائه حيًّا غير أنفاسه. في الأثناء، على تلك الزوجة أن ترعاه وطفلتيها، بينما تقترب الحرب، وفي كلّ مرّة تتعرّض للسطو من قبل المسلحين أو العصابات، ولا شيء في العالم الخارجي يساعدها في تجاوز أزمتها تلك. يتسلّل الخوف إليها، كما الرّعب، وينفد صبرها، تبدأ الانهيار والهذيان، تحدّث زوجها فلا يجيبها، تتأكّد في النهاية أنّه مجرّد حجر لا أكثر، وليس لها غير جسده الساكن لتشكو إليه، لقد أهدتها الحرب حجر الصبر متمثّلا في ذلك الجسد.

ثمّة رعب في إيقاع الرواية، قائم بالأساس على أنفاس ذلك الرجل الذي يتبعه إيقاع المسبحة السوداء في يد زوجته، ومن ثمّ يبدأ الهذيان، هذيانٌ يكشف مصائبها وفضائحها ومحنها وعذاباتها جميعًا. طبعًا، نحن هنا سنمدح الحرب؛ فلولاها ما كانت تلك المرأة لتتجرّأ على قول ما قالته، أمّا مضمون قولها فينصبّ معظمه ضدّ الثقافة الذكورية وهيمنتها، لنترك لها الآن التدليل على ذلك: لقد تزوّجت ذلك الرجل دون أن تعرفه، وظلّت تعيش مع عائلته سنوات منتظرة عودته من الحرب، حتّى إذا ما أتى كان مقاتلًا يحبّ بندقيته أكثر من حبّه لها، وهكذا تكون قد عاشت محنًا متتالية.

تبدأ محتنها الأولى مع زوجها من خلال العلاقة الجنسية بينهما، فهي تحرم حتى من تقبيله، كما تحرم -أيضًا- من اللذة الجنسية معه، وليس من حقّها أن تتجرّأ على طلب ذلك؛ إذ تعيش معه قحطًا روحيًا وجنسيًا نتيجة الهمجية الذكورية. وتبدأ محنتها الثانية في اتهامها بالعقم، والحال أنها ليست كذلك، فتضطرّ إلى ممارسة الجنس مع غير زوجها، لتنجب أبناء وتتخلّص من مكيدة أمّه: هكذا حتى تنجو من الطلاق وتوهم ذلك الزوج بفحولته. وتبدأ محنتها الثالثة في أثناء غيابه بالتحرّش الجنسي الذي يقع عليها من قبل إخوته، وقبل ذلك كانت لها محن أخرى مع عائلتها قبل الزواج، وكيف كان الأب فجّا وسليطًا معها وأخواتها، وبعد كلّ تلك المحن، ها هي الآن تعيش الرّعب أمام مشهد الموت المؤقّت لزوجها، وخوفها على طفلتيها، واقتراب الحرب وسطو العصابات على بيتها، واضطرارها إلى ممارسة الجنس مع أحد المقاتلين، بعد أن هدّدها بالسلاح.

هل كانت تلك المرأة قادرة على البوح بكلّ تلك الغوائل التي تعرّضت لها، لو لم تكن ثمّة حرب؟ هل كانت لها الجرأة لتفصح عن كلّ هذا التشوّه الإنساني أمام زوجها، لو لم يكن مجرّد جثّة هامدة؟ طبعًا لا، فهي ستفضّل الصمت نتيجة الخوف من القيم المجتمعية ومن الهيمنة الذكورية، ولكن ها هي الآن تنفجر بوحًا ضدّ الكلّ، وها هي الآن عارية إلا من حطامها، وها هي الآن تخاطب زوجها -الذي هو حجر الصبر- بالقول:

– آه، يا حجري الصبر، كم من الصعب أن تكون امرأة، وهذا ما يجعل من الصعب عليك أن تكون رجلًا!

في اللحظة الحاسمة من هذيانها، كان لا بدّ للحجر أن ينفجر، لقد نهض زوجها فجأة من الفراش، ليمسكها ويرمي بها على الحائط. كسر عنقها بعد أن غرست في قلبه الخنجر المعلّق في الغرفة. تموت المرأة كما زوجها، بينما يقرع باب الغرفة ليدخل أحدهم: ربّما يكون ذلك المقاتل الذي تدرّب على ممارسة الجنس معها، ربّما تكون عمّتها التي أخفت عندها طفلتيها، ربّما يكون أحد المنتسبين إلى العصابات، ربّما يكون شخص ما هارب من القصف خارج البيت.

لقد آن أوان انفجار الإنسانية: وهذه المرّة وجد اشتغاله في صرخة مدويّة على لسان امرأة ما، المرأة الأمّ، الزوجة، العاشقة، نبيّة الصبر، سرّ الذكورة وضعفها، ربّة العهر إذا ما تمّ تشويهها.

فهل يجب مديح الحرب في حالة كهذه؟ هل كان يجب انتظارها حتى نفكّك المسكوت عنه في مجتمعاتنا؟ وكم من امرأة عربية وأفريقية ومشرقية في حاجة إلى حجر الصبر هي الأخرى!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close