تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الفصائل الراديكالية وآخر فصول الصدمة

في نهاية عام 2013، بدأت تظهر ملامح الاقتتال الداخلي، بين الفصائل المحسوبة على الثورة، وبعد أن حرر “الجيش الحر” أكثر من 70 بالمئة من مساحة سورية، ظهرت فصائل (داعش) و(النصرة) وباقي الفصائل الراديكالية التي تُنادي بإقامة “إمارة إسلامية” في سورية، ومن هنا سعت هذه الفصائل والتنظيمات للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، واللافت أن هذه الفصائل غزت المناطق التي تم تحريرها من قبضة عصابات الأسد، ونادرًا ما هاجمت عصابات الأسد وحلفائه، وقد شاهدنا تنظيم (النصرة) يسيطر على جزء كبير من المنطقة الشرقية من سورية، وسرعان ما حل مكانه تنظيم (داعش)، أما المناطق الأخرى فقد أوجد قادة الفصائل الراديكالية العديد من الذرائع والحجج الواهية، للاعتداء على الفصائل الأخرى، التي أفتى بها شرعيّوهم خريجو سجن صيدنايا (مختبر تصنيع الإرهاب)، وظهر ذلك جليًا في الريف الدمشقي، وتكفّل بهذه المهمة “جيش الإسلام”، الذي لم يترك فصيلًا في المنطقة إلا هاجمه، واستطاع أن يبتلع ويفكك الكثير من الفصائل الثورية، التي دحر رجالُها قواتِ الأسد من أغلب مناطق ريف دمشق، وأهم هذه الفصائل (جيش الأمة) الذي قُتل قسم من قادته على يد من يُفترض أنهم رفاق الطريق نحو الحرية، ونُكِّل بالباقي من هؤلاء القادة، في سجون الجيش الذي ثبت أن ليس له أي علاقة بالإسلام إلا بالاسم، وتابع (جيش الإسلام) المهمة، من خلال حربه على باقي فصائل الغوطة المحاصرة، وعلى رأسها (فيلق الرحمن) و(فجر الأمة).

ذهب ضحية هذا الاقتتال أكثر من ألفي رجل من رجالات الثورة، وفي الوسط لم يكن الأمرُ أحسن حالًا، فقد تكفلت فصائل محسوبة على “الإخوان المسلمين” من إطباق الحصار على أغلب فصائل المنطقة، وخاصة ثوار أحياء حمص القديمة التي سُلّمت إلى الأسد بعد حصار مرير، وكان لبعض مشايخ حمص الدور الفعال في هذا الحصار وهذا التسليم، أما في الشمال فقد تكفل تنظيم (جبهة النصرة) الذي سُمي فيما بعد بـ (هيئة تحرير الشام) بابتلاع كثير من الفصائل وعلى رأسها (جبهة ثوار سورية)، على الرغم من إشارات الاستفهام التي رافقت أعمال قيادة هذا الفصيل.

بهذا، تم ابتلاع كثير من فصائل (الجيش الحر) الذي لم يبق منه إلا الاسم الذي يستخدمه كثير من الأطراف للتغطية على مهمتهم الرئيسية، في تحقيق مصالح مشغليهم من الدول أو مصالح فردية أو حزبية ضيقة ليس لها علاقة بالثورة السورية ولا بالشعب السوري، ونتيجة هذا السلوك العدواني لهذه التنظيمات، تجاه فصائل (الجيش الحر) وتجاه الشعب المنتفض الذي لاقى الأمرّين من هؤلاء من ترويع وتجويع وتنكيل، كانت أشد وطأة من ممارسات عصابات الأسد على هذا الشعب الذي بدا كالمستجير من الرمضاء بالنار، الشعب الذي من المفترض أن يكون هؤلاء أبناءه وحماته والمدافعين عنه، لا أن يستخدموا مختلف الأساليب لقهره وإذلاله.

بنظرة متأنية إلى تسلسل سير الأحداث، من بداية تسليم المناطق، والممارسات القمعية لأغلب الفصائل المسلحة، وعلى رأسها الفصائل الراديكالية؛ نستنتج أن هذه الفصائل هُيّئَت وجُهّزت للسيطرة على المناطق التي وُجدت فيها، لتجتثّ كل من يعترض طريقها أو يخرج عن طاعتها من الفصائل الأخرى، التي يمكن أن تؤثر في قرارها المزعوم، في أي مفاوضات قد تحدث مع الأطراف الإقليمية والدولية، ولم تكتف بذلك بل قامَت -بناءً على تعليمات من داعمي هذه الفصائل ووفق خطط منهجية- بممارسة كثير من الضغوطات والممارسات القمعية التي لم يسبق لها مثيل، بحق أهل هذه المناطق، وحاولت فرض واقع جديد وأسلوب حياة جديد عليهم، بذريعة الإسلام تارة وبحجج أخرى واهية، كتحصين هذا الشعب من الأفكار السوداوية، بنظرهم، وتوحيد الفصائل تحت قيادتهم بذريعة محاربة الأسد وإسقاطه. وهكذا كُشفت حقيقة المنخرطين في إعادة إنتاج الأسد، وما تسليم الكثير من المناطق، ابتداءً من حمص القديمة والغوطتين في الريف الدمشقي، مرورًا بالشمال الحمصي، وأخيرًا وليس آخرًا درعا والقنيطرة، إلا خيانة أزكمت رائحتها أنوف الجميع، وهي برهان على مشاركة هذه الفصائل في تفتيت الثورة، وإعادة إنتاج الأسد ونظامه، كل هذه الممارسات والتحركات يبدو للوهلة الأولى أنها صنيعة قائد هذا الفصيل أو ذاك، لكن الحقيقة -إذا دققنا قليلًا على الأقل في المستوى الفكري والثقافي لقادة هذه الفصائل- أن هؤلاء لا يمكن أن يكونوا بهذا المستوى العالي والعميق من التفكير والتخطيط، بل هم عبارة عن بيادق يحركها مشغلوهم لإيصال الشعب السوري إلى مرحلة الشلل في التفكير والفهم، إلى حيث يعتقد أنه أصبح عاجزًا عن فهم ماذا يجري، ولماذا، وكيف الخلاص من هذه الحال!

هذه النتيجة الطبيعية للمخطط الذي رُسم في الغرف السوداء، وهو الذي اعتمد كليًا على “نظرية الصدمة” التي ابتدعها طبيب علم النفس الكندي “دونالد كاميرون”، الذي استطاع -بعد تجارب حثيثة- أن يصنع إنسانًا جديدًا من خلال استخدام بعض فئران التجارب من البشر، وتعريضهم للعديد من الصدمات الشديدة التي استطاع بموجبها أن يسيطر على هذا الإنسان، من خلال قبوله بأي حل يمكن أن يُعرَض عليه للتخلص من الحال التي يعيشها هذا المخلوق البشري، وأتى بعده العالم “ميلتون فريدمن” ليطبق هذه النظرية على الشعوب الرافضة أيَّ أجنبي يتحكم في اقتصادها ومقدرات بلادها، فاستخدم أسلوبًا شيطانيًا في تطويع هذه الشعوب، من خلال جملة من الإجراءات، أهمها الفوضى العارمة في البلاد، والاعتقالات التعسفية، وارتفاع معدل البطالة، وارتفاع الأسعار، والخطف العلني للمواطنين.. هذه الأحداث التي أرهقت الشعب وأصابته بالشلل في تفسير ما يحدث، حيث وصل إلى مرحلة غياب الوعي والعجز عن فهم وإدراك ما يجري من حوله، وتولد قناعة لدى هذا الشعب المكلوم بأنه لا يوجد أي حل في الأفق قابل للتطبيق، يخرجه من هذا الواقع السيئ، وبهذا سيكون مستعدًا لقبول أي حل خارجي جاهز، كان من المستحيل أن يقبله من قبل، وهذا ما سعى له من خطط لهذا الواقع الذي ساعد في إيجاده كثير من العوامل الداخلية التي أوجدها بعض الفصائل المحسوبة على الثورة، كاستمرار حالة الفرقة، والفوضى الأمنية في المناطق المحررة، وحالة التفكك والتشرذم بين مكونات الثورة، والهوة الواسعة بين الفصائل والشعب، والمظالم المتضخمة المنتشرة بين الناس، وهذا كله مهّد لقبول هذه الحلول الخارجية المعلّبة الجاهزة منذ زمن، لكنها استغرقت هذا الوقت الطويل لتظهر إلى العلن، بسبب إيجاد طرق وأساليب لإيصال الشعب السوري إلى الاقتناع بأنه يعاني عدم وجود حل يخرجه مما هو فيه، وبالتالي الشعور الكامل بالعجز عن فعل أي شيء، وهذا هو أحد الأساليب الخبيثة التي تستخدم لتحطيم نفسية الشعوب، بهدف إخضاعها وإرغامها على التنازل عن مبادئها، كي تنتهي الحرب التي لم تجلب إلا الويلات لهذا الشعب الذي خرج ليستعيد كرامته وحريته، لكنه وجد نفسه في معركة غير متكافئة، لم يقف أحد إلى جانبه ممن يدعون الديمقراطية والحرية، لا بل وقف هؤلاء جميعًا الى جانب القاتل الذي هو السبب في كل هذه المصائب التي حلت على هذا البلد.

خلاصة القول: إن ما تعرّض له الشعب السوري في ثورته، من كوارث صنعها أبناؤه قبل أعدائه، يدلّ على أن حرية الشعوب في المنطقة العربية خاصة، ودول العالم الثالث عامة، هي مجرد حلم يقف أمام تحقيقه -بكل الأساليب والطرق الخبيثة- مَن يتحكم في العالم. وهذا يبرهن على أن حصول هذه الشعوب على حريتها واستقلال قرارها خطر كبير على من خطط، منذ عشرات السنين، لفرض سيطرته المطلقة على العالم، والتحكم في مقدرات الشعوب ونهب ثرواتها.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close