سلايدرقضايا المجتمع

لغز “الرئاسة المشتركة” في بُنى (مسد) و(قسد)

يرد في أدبيات (مجلس سوريا الديمقراطي/ مسد)، مصطلح “الرئيس المشترك” أو “الرئاسة المشتركة” باستمرار، في جميع الأجسام السياسية والإدارية والخدمية التي أنشئت في مناطق سيطرة “وحدات حماية الشعب” الكردية، المناطق التي تُطلق عليها هذه الوحدات اسم “روجآفا”، خلال السنوات الثلاث الماضية. لكنها استثنت أذرعها العسكرية والأمنية من هذه الصيغة من الإدارة. ومعنى “الرئاسة المشتركة” يتمثل في وجود أكثر من رئيس في المنصب ذاته، بغرض تحقيق ما تراه “ديمقراطية تشاركية”، وهو ما يعني -في الواقع العملي- تمثيلًا متساويًا لكل “المكونات” وللجنسين، بغض النظر عن الوقائع السكانية وعن الكفاءة.

بطبيعة الحال، لا توجد أي آلية ديمقراطية في الوصول إلى أي منصب أو أي “رئاسة مشتركة”؛ فالأمر يتعلق بصناعة واجهات وتعيين موالين ومنتفعين، بغرض خلق وهم مفاده أن “مكونات” المجتمع كافة تُشارك في أداء الوظائف السياسية والإدارية. لكن حتى هذا الوهم يتبدد، عندما يبدأ المرء التدقيق في تفاصيل هذه “التشاركية”، وبوجه خاص عندما يدقق في نوعية الأفراد الذين تفرضهم ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية، في كل جهاز ومؤسسة وإدارة، بوصفهم رؤساء أو مديرين مشتركين، حتى وصل بها الأمر إلى فرض هؤلاء في مواقع مهنية، لا تحتمل الاشتراك في المسؤولية، كما أنها تتطلب تأهيلًا وتخصصًا نوعيين.

ينحل لغز الرئاسات المشتركة بسهولة، حالما نعرف هويات وسير الرؤساء المُشتركين. فالثابت في كل الرئاسات المشتركة هو وجود رئيس كردي، في كل رئاسة مشتركة، بينما يمكن أن يتغير الرئيس الثاني، فيكون عربيًا أو آثوريًا أو تركمانيًا، بحسب المنطقة ومتطلبات كل حال من الأحوال. لكن المزيد من التدقيق يُظهر أن “الرئيس الكردي” هو عضو في “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي، وهو فرع “حزب العمال الكردستاني” التركي في سورية، وكلما زادت أهمية المنصب أو الموقع؛ وجب أن يكون هذا العضو في حزب الاتحاد الديمقراطي “كادرًا” ذا أقدمية، إلى أن يصل الأمر إلى نهاية التسلسل لدى قادة العمل السياسي والعسكري والأمني القادمين من جبال قنديل في العراق.

صيغة “الرئاسة المشتركة” تصل إلى حدود اللامعقول، عندما تحاول هذه الوحدات تطبيقها في محافظة مثل الرقة، حيث لا يتوفر فيها ما يكفي من “أكراد منتمين إلى حزب الاتحاد الديمقراطي” للمشاركة في الرئاسات والمناصب المشتركة، بل تصبح ضربًا من السخف، حين نجد هؤلاء في أماكن ومواقع لا يكونون فيها من دون نفع فحسب، بل يتحولون إلى عبء على سير العمل فيها.

ما جرى قبل نحو أسبوعين، في مدرسة “الأندلس” الابتدائية في مدينة الرقة، يقدّم نموذجًا صارخًا وتمثيلًا عمليًا لحقيقة “التشاركية” في الوظائف والمواقع. فقد كانت “وحدات حماية الشعب” الكردية قد فرضت على الجهاز التعليمي والإداري في المدينة شخصين كرديين، هما “فاطمة بوزان” و”زنار” المعروف باسم “آزاد”، من بين آخرين من كوادر “حزب الاتحاد الديمقراطي”. فاطمة هذه (وهي تحمل شهادة إتمام المرحلة الابتدائية، وتعمل عضوًا في إحدى لجان المشتريات ونائب رئيس هذه اللجنة) حضرت إلى مدرسة “الأندلس” نظرًا إلى وجود عدد لا بأس به من التلاميذ الأكراد في عداد طلابها، ثم طلبت عزل الطلاب الأكراد لتجتمع بهم، وبعد دقائق بدأ هؤلاء الأطفال البكاء من دون أن يفهم المعلمون وباقي الطلاب السبب في ذلك. لكن بعد انصرافها، شرح الأطفال لزملائهم ومعلميهم أنها تريد عزلهم في صف خاص، كي يدرسوا المناهج الدراسية جميعًا باللغة الكردية. ولأن التعليم باللغة الكردية، الذي تحاول هذه الوحدات فرضه في مناطق سيطرتها، يتسبب في كثير من المشكلات التربوية والقانونية، للطلاب وذويهم، من حيث عدم اعتراف النظام بالشهادات الصادرة عن مدارس تعتمد هذا النوع من المناهج، وقد بكى الأطفال تعبيرًا عن رفضهم. لتعاود مخاطبتهم باللغة الكردية مُفسرة أمر العزل، بأنها تريد أن توزع عليهم دون سواهم مساعدات: حقائب وأدوات مدرسية وثياب مما تقدمه المنظمات الدولية الداعمة للتعليم في الرقة، الأمر الذي أفشاه الأطفال لاحقًا.

أما الشخصية الأكثر أهمية فهو “زنار” أو “آزاد”، وهو “كردي من محافظة الحسكة غير متعلم ولا يتكلم العربية”، ولا يُعرف له منصب أو دور مُحدد في التعليم، لكنه “الكل بالكل”، حسب ما أفاد أحد المعلمين في مدينة الرقة. ويتضح من خلال وجوده في كل مكان، وكلمته المسموعة وأمره المطاع والخوف الذي يُشيعه حضوره حيثما كان، أنه يعمل في الجهاز الأمني للوحدات الكردية، الأمر الذي يجعله صاحب الكلمة الفصل في كل شأن يصادفه.

حالتا “فاطمة” و”زنار”، وهما في أسفل هرم المسؤوليات في الهيئات والمؤسسات التي ارتجلتها الوحدات الكردية في مناطق سيطرتها، تكشفان عن حقيقة “الرئاسات المشتركة” في المستويات الأخرى من العمل السياسي والإداري. فلا يبدو أن دورهما يتجاوز العمل الأمني، في مراقبة الناس وإحصاء أنفاسهم والمشاركة في نهب ما تقدمه المنظمات الدولية من دعم لسكان المناطق الخاضعة لسيطرة (قسد) و(مسد)، كما لا توجد مؤشرات على أن الحال -في مستويات أعلى- تختلف عن المستويات الدنيا. لكن طبيعة الأدوار هذه تُذكّر -بلا شك- بتركيبة الأجهزة الأمنية وقطع الجيش في نظام الأسد، دائمًا ثمة رجل يفتح كل الأبواب، وتجتمع بين يديه كل خيوط اللعبة ويمتلك الكلمة العليا، ليس مهمًا كفاءته أو رتبته، كل ما يُهم هو مكان ولادته.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close