ترجماتسلايدر

الانسحاب من سورية يترك فراغًا ستملؤه إيران

الميليشيات الشيعية في المنطقة جاءت لتبقى

الصورة: ميليشيات موالية لإيران على الحدود العراقية السورية، تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. علاء المرجاني/ رويترز

كان قرار سحب القوات الأميركية المتبقية، وعددها ألفا جندي من سورية، واحدًا من قرارات الرئيس ترامب الأكثر إثارة للجدل في السياسة الخارجية لنهاية عام 2018. كان هذا الأمر بمنزلة عكس/ انقلاب مذهل لسياسة الولايات المتحدة، كما أثار مخاوف بين الخبراء في مجال الأمن القومي في واشنطن، من أن الأكراد الذين عملوا كحلفاء للولايات المتحدة، في الحرب ضد الدولة الإسلامية أو داعش، سيعانون الخسائر، بينما نظام الأسد وروسيا وتركيا يحققون المكاسب.

في نهاية هذا الأسبوع، عكَس جون بولتون، مستشار الرئيس للأمن القومي، على ما يبدو، الاتجاهَ مجددًا، معلنًا أن القوات الأميركية ستبقى في سورية إلى أن تُهزَم داعش، وأن يُقدَّم الأتراك ضمانات بألا يضربوا الأكراد.

الجهة التي ربما تستفيد أكثر من الآخرين، من انسحاب الإدارة من سورية، هي إيران. إن انسحابًا أميركا سيوفر للإيرانيين المساحة العملياتية لتوسيع شبكتهم المتنامية من المقاتلين الشيعة الأجانب، الذين يُمكن حشدهم ونقلهم عبر كل الشرق الأوسط. ترسل التصريحات الأخيرة رسالة إلى طهران مفادها أن واشنطن لن تكون عقبة في طريق هذه االخطط. في الواقع، وفقًا لبولتون، فإن شروط الإدارة المسبقة للانسحاب تتعلق بالأكراد وداعش: لم يذكر مستشار الأمن القومي وجود أو توسيع الميليشيات الشيعية المدربة والمجهزة من قبل إيران.

في الأيام الأولى للجمهورية الإسلامية، التي تصادف ذكراها السنوية الأربعين في شباط/ فبراير، تحدث قادة رجال الدين الإيرانيين عن تصدير ثورتهم إلى ما وراء الحدود القومية. على الرغم من أن نشر المثل الثورية لم يعد من بين الأهداف الأساسية لإيران، فإن الجمهورية الإسلامية قد أمضت عقودًا في تنمية الروابط مع الجماعات -وخاصة الشيعة منها- في الدول التي تعدّها مهمة لأمنها. تربط هذه الروابط طهران بالجمهور الانتخابي في أفغانستان والعراق ولبنان وباكستان وسورية واليمن، من بين أماكن أخرى.

ابتداءً من زرع حزب الله اللبناني، حصدت إيران منافع هائلة من شن حرب بالوكالة والاستفادة من المقاتلين التابعين لطرف ثالث، ومنهم الإرهابيون والميليشيات. إن العمل مع العملاء غير الحكوميين يسمح لطهران بردع أعدائها، وينمي عمقها الاستراتيجي، ويعوض عن ضعفها العسكري التقليدي، من خلال استعراض قوة تتجاوز إمكاناتها. والأهم من ذلك، أن هذه الجماعات تساعد في توسيع نطاق إيران إلى ما يسمى مناطق رمادية، بين السلام والصراع، في بلدان مثل العراق وسورية، بينما توفر لها أيضًا قدرًا من الإنكار المعقول [عدم تحمل المسؤولية عن أعمال مرفوضة ارتكبها آخرون ضمن شبكة تراتبية] وتقليل تكاليف التدخل.

عندما بدأت الحرب الأهلية السورية عام 2011، كانت إيران مصممة على دعم حليفها. لكن الانقسامات في دمشق وطهران أثرّت في الوجود الإيراني الصريح والكبير في سورية. اعترض بقوة العديد من الإيرانيين على المساعدة في الحفاظ على الدكتاتور الذي تسببت فظائعه الجماعية واستخدامه الأسلحة الكيمياوية في إثارة أسئلة أخلاقية وتدمير سمعة بلده. سعى نظام الأسد، من جانبه، إلى إعطاء الدفاع عن البلد مظهرًا/ غطاءً وطنيًا/ داخليًا، وتجنب الظهور بمظهر سلطة مركزية ضعيفة ينقذها الأجانب. وعوضًا من التدخل مباشرة، نظمت طهران قوات شيعية غير إيرانية للقتال لصالح نظام الأسد. وللقيام بذلك، جندّت إيران، بكثافة، السكان الشيعة في لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان. بينما كانت إيران تدرب منذ مدة طويلة قوات من لبنان والعراق، كان إدخال الشيعة من جنوب آسيا أمرًا جديدًا. أُدمجت هذه المجموعات الفرعية المقاتلة الأجنبية بقوة مع شبكة أوسع، ولكن بتسميات خاصة: الفاطميون، وهو لواء يتكون من الأفغان، وكتيبة الزينبيون من الباكستانيين. حتى الآن، درّب النظام الإيراني وجهز ونشر عدة آلاف من هذه القوات في سورية، وصولًا حتى إلى تجنيد الأطفال.

في حين أن وجود شبكة إيرانية من المقاتلين الأجانب الشيعة أمرٌ لا يستهان به في حد ذاته، يضيف الانسحاب الأميركي تطورًا مفاجئًا جديدًا. من دون التزام أميركي بمواجهة إيران في سورية، فإن الشبكة سوف تزدهر وتنمو، مستغلة الفراغ في السلطة، لتوسيع نفوذ طهران في جميع أنحاء المنطقة، وهو هدف إيراني طويل المدى ظل مقيدًا، بسبب نشر القوات الأميركية في العراق من عام 2003 حتى عام 2011. من المتوقع أن يؤدي أي تقليص عسكري أميركي مهم -من المتوقع أن تحتفظ واشنطن بعدة مئات من قوات العمليات الخاصة في البلاد- إلى تحرك إسرائيلي آخر في سورية، لأن (القدس) لم تعد قادرة على الاعتماد على القوة العسكرية الأميركية لردع التوسع الإيراني. في المقابل، يمكن لهذا أن يغري إيران باستخدام المقاتلين الذين كانت تدربهم كقوة ضاربة خارجية.

الشبكة خارج سورية

لتجنيد مقاتلين إلى سورية، لا تعتمد إيران على الدين فحسب. ووفق ما ورد، وعدت بتزويد المقاتلين العائدين وعائلاتهم بالإقامة والأجور والرعاية الصحية والتعليم في إيران. الآن، مع تلاشي الحرب في سورية، ستحاول طهران تكرار نجاحها هناك في مسارح أخرى. يمكنها أن تُقلل من التكلفة باستخدام القوات التي جندتها بالفعل، ودربتها، وجهزتها، وقد عُززت فعاليتها من خلال الاشتراك في المعركة في سورية.

هناك ندرة في البيانات الدقيقة والواضحة، حول إنفاق طهران لدعم الميليشيات. ولكن في الوقت الذي يتعين فيه على البلاد شدّ حزامها للتغلب على العقوبات الاقتصادية، فإن تدريب إيران للمقاتلين الشيعة الأجانب قد يكون أكثر الطرق نجاعة، من حيث التكلفة -حتى باستخدام أعلى تقديرات التكلفة- لمتابعة أجندتها الإقليمية. وكما قال أفشون أوستوفار، الباحث الإيراني: “إن إيران تنفق أقل -وربما أقل بكثير- على الدفاع من أقرب منافسيها في المنطقة، حتى بما في ذلك دعمها لعملائها في سورية والعراق ولبنان واليمن”.

مع الانسحاب الأميركي من سورية، وفي غياب أيّ سياسة أميركية متماسكة للرد على الأحداث في المنطقة التي لا تصل إلى حد الصراع، من المرجح أن تواصل إيران زراعة الميليشيات الشيعية وإعادة توجيهها عبر المنطقة. يتم بالفعل إعادة توجيه بعض من مقاتلي لواء الفاطميون إلى أفغانستان، حيث تدعم إيران، إلى جانب روسيا، حركة طالبان لإعاقة انطلاق فرع الدولة الإسلامية (داعش) في البلاد. يُظهر هذا الالتزام للأفغان أن إيران مستعدة للعمل كقوة استقرار حتى في الوقت الذي تفكر فيه الولايات المتحدة في خفض أعداد قواتها إلى النصف. وأفغانستان ليست سوى واحدة من المسارح الأربعة التي تشارك فيها إيران: العراق وسورية واليمن.

كان المقصود بلا شك، من قرار الرئيس ترامب بسحب القوات الأميركية من سورية، إخراج الولايات المتحدة من مستنقع الشرق الأوسط، وتزويد واشنطن بالمرونة لتركيز مواردها على صراع القوى العظمى، خاصة مع الصين وروسيا، ولكن ربما أيضًا مع إيران. ومع ذلك، من خلال الاستعانة بتركيا، كجهة خارجية لمواجهة داعش، والتخلي بشكل أساسي عن سورية إلى نظام الأسد وداعميه الأقوياء في موسكو وطهران، قد تكون الإدارة تشير عن غير قصد إلى أنها غير راغبة في التنافس في النقاط الساخنة الجيوسياسية.

مثل هذه الرسالة يمكن أن تشجع الدول القوية -ومنها إيران- على توسيع وجودها. ومن المرجح أن تقوم طهران بمهمة غيرها، من خلال الاستمرار في بناء شبكتها من المقاتلين الشيعة الأجانب ونقلهم في جميع أنحاء المنطقة. إذا كان قادة إيران يرون ذلك كاستراتيجية جديرة بالاهتمام، تفوق فوائدها تكاليفها، يمكن أن تنمو الشبكة من تهديد إقليمي إلى تهديد عالمي، مما يخلق في نهاية المطاف مزيدًا من المشكلات للولايات المتحدة وحلفائها، على المدى الطويل.

اسم المقالة الأصلي Withdrawing From Syria Leaves a Vacuum That Iran Will Fill
الكاتب كولن كلارك وأريانة طباطبائي،Colin Clarke and Ariane Tabatabai
مكان النشر وتاريخه فورين أفيرز،FOREIGN AFFAIRS، 8/1
رابط المقالة https://www.foreignaffairs.com/articles/syria/2019-01-08/withdrawing-syria-leaves-vacuum-iran-will-fill?sp_mid=58189453&sp_rid=YS5heWNoYWhAZ21haWwuY29tS0&spMailingID=58189453&spUserID=MTI4MzU1MzI0NDAzS0&spJobID=1560975206&spReportId=MTU2MDk3NTIwNgS2
عدد الكلمات 1058
ترجمة وحدة الترجمة/ أحمد عيشة

 

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close