اقتصادسلايدر

اقتصاد سورية 2018: العجلة التي دارت بلا حصان

قبل نحو 150 عامًا، كتب الفيلسوف بوليام كينغدون كليفورد: “من الخطأ دائمًا، وفي كل مكان، ولأي شخص، الاقتناع بأي شيء، في حال عدم كفاية الأدلة”؛ ذلك أن “الممارسة السيئة في عملية التكوين الفكري، من شأنها أن تحولنا إلى مؤمنين لا مبالين وساذجين”.

تصلح عبارة كليفورد الفلسفية، وهي الأكثر صلة بعصرنا، لتحليل المشهد السوري الراهن. حيث إن حكومة الأسد تريدنا جميعًا أن نؤمن بما تضخه، حول فضائل حربها ضد الشعب، وانتصارها على الإرهاب، وعودة اقتصادها، بعد دوران عجلته في عام 2018 إلى الحياة من جديد.

إذا استثنينا فضيلة الحرب التي أدت إلى تدمير أكثر من نصف عمران البلاد، ودفعت نصف السكان -أيضًا- إلى النزوح واللجوء بعيدًا من مدنهم وبلداتهم؛ فإن الاعتقاد بدوران عجلة الاقتصاد، من غير عناصر دفع أو شد (موارد، إنتاجية، نمو) يشبه إلى حد بعيد قصةً غير مكتملة الأركان، أو نص سيناريو متخيلًا لنهوض أقرب في وقائعه إلى الشعوذة، في سياق ممارسة سيئة تهدف إلى تكوين رأي عام ساذج.

لو تأملنا قليلًا إنجازات وزارة الاقتصاد، وهي المعنية -وفق مقتضى تأسيسها- مع جهات أخرى، برسم السياسة الاقتصادية والتجارية، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، واقتراح التدابير المناسبة لرفع معدل النمو الاقتصادي، بما يحقق توازن الاقتصاد الكلي؛ فسنكتشف حقيقة الخدعة التي يمررها نظام الأسد على شعبه، وخلل سياساته الاقتصادية، وفهمه المغلوط لطريقة عمل العجلة، واستمرار دورانها، الذي من المفترض أن ينتج حالة جديدة، على صعيد النمو والتنمية والرفاه الاجتماعي، يشعر بها كل مواطن.

في 4 كانون الثاني/ يناير الجاري، دفعت الوزارة بخلاصة سنوية تجمل أعمالها، نشرتها الصحف الرسمية تحت عنوان (2018 عام عودة العجلة الاقتصادية للدوران) ولكن، كيف دارت العجلة بلا حصان؟ تقول الخلاصة: إن الوزارة عملت على ثلاثة محاور تم ترتيبها كما يلي: تطویر عمل مؤسساتھا، ولا سیما في إطار تنظیم المعارض الداخلیة والخارجیة. منح إجازات وموافقات الاستیراد وإصدار دلیلها التطبیقي الالكتروني. وأخيرًا، لقاء لجان إیرانیة وأبخازیة وأوسیتیة ومن جمھوریة القرم، لوضع أسس التبادل التجاري والتعاون وزیادة النشاط الاقتصادي المشترك.

إن المخرجات التي قدمتها على أنها “محرك العجلة”، تصلح في الحقيقة لمؤسسة اقتصادية ناشئة، تُعدّ بيانًا دعائيًا تحاول من خلاله أن تفرد لنفسها موقعًا في سوق مزدحمة، غير أن وزارة -بهذه الأهمية- ترتبط مهماتها باستراتيجة وخطة خمسية و(سياسات عملاقة تركز على التطوير والانفتاح الاقتصادي، ومواجهة تحدياته الداخلية و الخارجية، وإصلاح القطاعات الاقتصادية وفق مبادئ الإدارة الاقتصادية وآلية السوق الحرة والتسعير الاقتصادي، وتحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية الاقتصادية)، تستبدل مهامها الرئيسة، لتعمل على إنجاز معارض وأدلة واجتماعات!! فهذا من شأنه أن يمدّنا بصورة مثالية للطريقة التي تدير بها مؤسسات الأسد عجلة الاقتصاد، كما السياسة.

تقيس الدول أداءَ اقتصادها وتطوره ونموه، وفق حصيلة الناتج المحلي الإجمالي، الذي يقيس بدوره إجمالي كمية السلع والخدمات المنتجة في الاقتصاد، لكن واضعي السياسات والمواطنين على حد سواء، ما عادوا يرون في هذا المقياس المعياري ما يلبي طموحاتهم، وباتوا يرون نمو اقتصادات بلدانهم، من خلال ما يطرأ من تغييرات إيجابية على مستوى المعيشة، كظاهرة متعددة الأبعاد، تشمل الدخل وفرص العمل والأمن الاقتصادي ونوعية الحياة.

قبل عام من الآن، لاحظ المعهد الهولندي للعلاقات الدولية، الذي نشر تقريرًا مفصلًا حول ما يعتقد بأن سورية ستبدو عليه في العام 2019، أن معدل التضخم كان ثابتًا في الآونة الأخيرة، وأن أسعار بعض المنتجات انخفضت في بعض الأحيان. في حين رأى أن هذا لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد في طريقه إلى التحسن، بل يشير إلى أن انهياره الكارثي قد وصل إلى أدنى انخفاض. ويشكل الافتقار إلى الحكم الرشيد وتكافؤ الفرص، تحت حكم الأسد -بحسب التقرير- الجذور التي تزيد من فرص ديمومة الصراع.

يعترف وزير الاقتصاد بتراجع الاقتصاد، خلال سنوات ما أسماها الأزمة. ويعزو هذا التراجع إلى العقوبات الغربية، وتدمير عدد كبير من المصانع والمنشآت أو إغلاقها، وإلى انخفاض سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي والعملات الأخرى؛ وهو ما أدى -كما يقول- إلى “زيادة الركود، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض مستوى المعيشة إلى ما تحت خط الفقر”. لكن المفارقة أن الوزارة التي يقودها قدّمت في مطلع عام 2019 نصًا مغايرًا، ينم عن أفكار ضمنية تروّج -بطريقة أو بأخرى- لمغالطات اقتصادية فاحشة.

الصورة الأكثر احتمالية، كما يعرضها مراقبون، تبدو نسخة أعظم هشاشة مما كانت عليه قبل الحرب، فيما ستصبح الفجوة الاقتصادية أكثر وضوحًا. إن الجزء الأسوأ من الصورة أن يستمر الحديث عن الفضائل، بينما يرزح البلد تحت قيادة سلطة قمعية، واقتصاد وطني يائس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق