تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

موسكو تبيع الوهم لحكام العرب: صالحوا الأسد نُخرجْ إيران!

انتهى عام 2018 تاركًا الباب مفتوحًا أمام ما تبقى من الدول العربية الراغبة في امتطاء موجة التطبيع العربي مع النظام الذي نعتهم سابقًا بـ “أنصاف الرجال”، لكن  يبدو أن لغة المصالح وحدَها قادرة على أن تجبَّ ما قبلها من زلات قد عفا عليها الدهر، أمام موجة العواصف الغربية التي بدأت تهدد منظومات الحكم العربي عبر أذرعها في المنطقة، ولا تفوت القارئَ معرفة الغاية التي يرمي إليها الغرب، من وراء أوهام نشر الديمقراطية، في استنزاف العرب ونهب ثرواتهم وتوظيف جيوشهم في القضاء على الشعوب الحالمة في التغيير والتخلص من الاستبداد ومن أنظمتها الوظيفية المركبة.

وعلى ضوء المتغيرات السورية التي فرضتها إرادات الدول الفاعلة في مسار أستانا؛ تغيرت موازين الصراع لصالح النظام، ولا سيّما بعدما سمحت الدول الكبرى للنظام بالعودة إلى الجنوب السوري، وفتح معبر نصيب وضبط حدوده مع المملكة الأردنية، وتوكليه (حزب الله) بضبط الحدود اللبنانية السورية، وتفعيل اتفاق فك الاشتباك مع “إسرائيل” والعودة لحراسة المنطقة، ومن الجهة العراقية السورية، سُمح له بالتقدم، عبر ميليشيات برية مرتزقة إيرانية، للسيطرة على جزء كبير من الحدود السورية العراقية من طرف دير الزور ومدينة البوكمال.

وإزاء التغير في المناخ العام؛ أعادت الدول العربية حساباتها تجاه الأزمة السورية، مع التنبيه إلى أنها دائمًا كانت -وما زالت- تحاول السير بما يتناسب مع التوجه الغربي في المنطقة، من دون أي قرار عربي لها، ودليل ذلك ما حدث في أوائل الأزمة السورية، حين توجهت الدول العربية إلى إيهام شعوب المنطقة بأنها قطعت علاقاتها مع النظام وأغلقت سفاراتها، ووقفت مع مسار الثورة السلمية المطالبة بإسقاط النظام، ثم اتضح أن سلوكهم كان نتيجة التصعيد الغربي في 2012 في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تجاه الأسد، وهو المعروف بصاحب “الخطوط الحمر” و”الأيام المعدودة”.

وفي الأمس القريب، بعد أن استطاعت موسكو تغيير موازين الصراع؛ بدأت الدول العربية الظهور بمظهرها الحقيقي، من خلال إعادة علاقاتها مع النظام، ولم تكن زيارة الرئيس السوداني عمر البشير، في أواخر ديسمبر العام الفائت، إلا نتيجة لمقدمات سابقة، بدأت من قبل العراب المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي ورئيس مخابراته عباس كامل، واللقاءات مع مخابرات النظام ورئيس مكتب أمنه القومي علي مملوك، وترتيب زيارات سرية على مستويات دبلوماسية في عمان، علمًا أن هذه الدول لم تقطع علاقتها يومًا مع النظام، ومنها الإمارات والعراق والأردن والبحرين والسودان، وصولًا إلى السعودية التي دعمت الأسد في 2012 بمبالغ مالية قالت إنها مستحقات سابقة، تم التوقيع عليها قبل انطلاق الأزمة. ويأتي في هذا السياق، تأكيد نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، أمس الثلاثاء، أنه بحث مع كل من الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ووزير الخارجية المصري سامح شكر “الملفَّ السوري وعودة سورية إلى الجامعة العربية”. وقال بوغدانوف من القاهرة: إن “هناك تكثيفًا للاتصالات الثنائية، بين مجموعة من الدول العربية وسورية”.

وفي ظل الحديث عن عودة فتح السفارات الإماراتية والبحرينية في دمشق، بدعوى “إعادة مكانة سورية إلى الدور العربي وعزلها عن إيران”، بحسب تصريحات أنور قرقاش وزير الخارجية  الإماراتي؛ بدا أن منطق العرب لا يزال يتتبع موجة التغيرات التي تقودها موسكو هذه المرة، بحكم تبادل الأدوار مع واشنطن، ولعل روسيا هي من يقف -سياسيًا- وراء دفع تلك الأنظمة إلى إظهار ترحيبها بانتصار النظام على شعبه، والدفع نحو التنسيق معه لكسر عزلته السياسية وإكسابه الشرعية، مقابل ضمانة العرب قوة موسكو في تحجيم إيران وإيعادها من المحور العربي، على اعتبار أنها استطاعت تنفيذ اتفاق مع “إسرائيل” أبعدت الميليشيات الإيرانية من حدود التماس الإسرائيلي السوري مسافة 80 كم، ما يفسر أن الدول العربية مقتنعة بقدرات التأثير الروسية على إيران .

كذلك ترغب الدول العربية، من وراء عودتها للحضن السوري، في تأمين مصالحها الخاصة على صعيد الاقتصاد، وتفعيل الطرق الدولية والمعابر لإعادة تدوير عجلتها الاقتصادية، وتحقيق منافع متبادلة مع النظام بعد توقفها منذ 2011، ولعل لبنان والأردن من أكثر المتعطشين إلى ذلك. وعلى الصعيد الأمني، من مصلحة دول الجوار التنسيق الأمني مع نظام الأسد، لضبط الحدود ومنع العمليات الإرهابية وتبادل المعلومات عن طريق الأجهزة الاستخباراتية، فيما الجانب الأهم يتعلق بعودة اللاجئين، وإن كان مصيرهم الموت في سجون الأسد، وعلى الصعيد السياسي، تنحصر رغبة بعض الدول العربية في حجز مقعد لها في عملية الإعمار، وجني بعض الأرباح على حساب السوريين.

من هذا المنطلق، أصبح لدينا نظرية ذات وجهين: الأول متعلق ببيع وهم روسي للعرب في نقطة إخراج إيران، والوجه الآخر تفضيل المصالح الخاصة لتلك الأنظمة على العامة، خشية خساراتها المستقبلية في موضوع ترميم الاقتصاد، كما أن مسألة انتصار الشعب السوري ونيله حريته لا تدخل في قواميسهم، لكون المنهج الاستبدادي واحدًا والمدرسة واحدة والمعلم واحدًا.

وما يدحض النظرية الأولى أن موسكو لا نية لها، حتى الآن، بإخراج إيران؛ فما يربطها بها أقوى بكثير من أن تنقلب عليها، وكما أن الولايات المتحدة تقوم باستثمار خوف العرب من إيران، ودائمًا ترعبهم بها وتسلطها على رقابهم، كذلك موسكو تستخدم هذه الورقة بالإطار نفسه، وتجني من خلالها مكاسب ميدانية وسياسية في سورية، كما أن موسكو ترتبط بعلاقات قوية مع إيران في العديد من المسائل، وقد وصل حجم التبادل التجاري في 2017 إلى 155 مليون دولار، وبلغ حجم الصادرات 117.7 مليون دولار، والواردات 37.3 مليون دولار، إضافة إلى التعاون في مجالات الزراعة والصناعة والنفط والتطوير العسكري، وبعيدًا من كل هذه الروابط التي تربط إيران بروسيا، فإن الحقيقة الراسخة اليوم في سورية مفادها أنه لا يمكن إخراج إيران من سورية إلا عن طريق تعاون بين موسكو وواشنطن حصرًا، ولا يمكن بأي وسيلة أخرى تحقيق ذلك، ففكرة إنشاء “ناتو عربي”، وغيرها من الأفكار التي يبيعها الغرب للأنظمة العربية، ما هي إلا أوهام، الغاية منها استجرار الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، وسحب النفط الخليجي، وإضعاف أمنهم القومي حتى الرمق الأخير، وكل ذلك يحدث عن طريق توجيه إيران نحو قبلتهم.

لذا فمن ناحية أميركا لا يوجد أي تعويل عليها، حتى اليوم، ولا سيّما أن الرئيس ترامب قال في أحد تصريحاته: “تستطيع إيران أن تفعل ما تشاء في سورية” أما عن موسكو، فكل ما تقوم به حتى الآن لعبها دور المايسترو لضبط الإيقاع والتوازنات بين الخصوم والحلفاء، وعدم السماح لأي طرف آخر منافستها في سورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق