هموم ثقافية

ظلال الدروب

في لحظةٍ، شعرتُ بأنّنا -صديقي السويسريّ وأنا- أقرب إلى أن نكون شبيهَي شخصيّتَين في رسم كاريكاتوري، أو حالين -على وجه الدقّة- من أحوال الشخصيّة ذاتها، وقد تمَّ التعبير عنهما في رسم بالغ الإيجاز والدلالة.

كان صديقي قد زارني مرَّات عديدة في دمشق، فيما زرته في سويسرا مرّة واحدة لأيّام عديدة. وقد لفتني خلال زياراته المُتكرّرة إصراره على قيامنا بالتجوال في المناطق الشعبيّة، على الرغم من غلبة الازدحام في حاراتها، وفوضى المرور التي تعمُّ شوارعها، فضلًا عن النفايات المرميّة أمام منازلها.. وغير ذلك من المظاهر المثيرة للاشمئزاز.

إصرار صديقي كان بدافع حبّ حقيقي للأحياء الشعبية، وارتياح داخلي عميق للتجوّل فيها، ورغبة في العلاقة مع سكانها؛ وهو ما كان يُثير استغرابي في كلّ مرة يزوروني فيها؛ إذ لا يُعقل -وهو القادم من سويسرا- أن تريحه حالة الفوضى والأوساخ والروائح الكريهة، وصياح الباعة، وفضول الصبية الصغار وإزعاجاتهم، وغير ذلك مما هو معروف عن المناطق الشعبيّة عادة. بيد أنني -رغم استغرابي وحيرتي- كنتُ واثقًا تمامًا من ارتياحه الصميم، ومن أنه لا يتزلّف ولا يتكلّف.

وحدث -ذات يوم- أنْ دعاني لزيارته في مدينته دافوس، فقمتُ بالزيارة التي استمرَّت أيامًا عديدة، أتيح لي خلالها أن أرى هذا البلد (مضرب مثلٍ شائع لدينا) من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، حتى وجدتُ نفسي عاجزًا عن أن أعبّر له عن مشاعري سوى بالمجاز، من أنّ الله، بعد أن خلق للشعوب بلدانها، أراد أن يستريح؛ فكوَّن سويسرا..

وخلال نزهة طويلة، قطعناها مشيًا على الدروب الملتوية عبر الجبال، خَطَرَ لي أن أسأله عمّا عساه ينغّص عليه، أو يشغله، أو يكون مهمومًا به، وهو من أبناء هذا البلد، فباغتني بجوابه، إذ راح يحكي ويزيد عن معاناته من النظام السياسي في البلد الذي يعمل -على الطالع والنازل- وفق نتائج الاستفتاء الشعبي، سواء في رفض الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو في رفض الانخراط في السوق الأوروبيّة المشتركة، أو في تحديد مواقيت إغلاق المحال التجاريّة، أو أنظمة السير الحازمة على نحو غير عادي، أو أيّ صغيرة أو كبيرة من شؤون الحياة والناس، وشؤون سنّ القوانين العامة وتشريعات العمل…إلخ!!

إشارتا التعجُّب، في نهاية الفقرة السابقة، ليستا من عندي، بل للتعبير عن ملامح وجه صديقي المستاءة فعلًا، ونبرة صوته الخالية من كلّ مزاح، وهو يروي ويسرد تفاصيل التفاصيل التي تجعله شديد الاكتئاب والملل في بلده، وتدفعه إلى… و… و..

ووجدتُني، فيما هو يحكي ويستشهد بأمثلة من هذا الحقل وذاك الميدان؛ أسرح بعيدًا، وأسرّ لنفسي وأعيد، عمّا عساني -أنا السوري- أروي له لو سألني عمّا عشته، عبر ما يزيد عن خمسين عامًا، وأعيشه إلى اليوم، إذ بدوتُ لنفسي على غرار الرجل في المشهد الأوَّل من رسمٍ لفنان الكاريكاتير الفرنسي (من أصل أرجنتيني) أكينو، الذي يُصوّر فيه رجلًا يصرخ من أعماقه حزنًا وغضبًا واحتجاجًا على استحالة فكّ العُقد الكثيرة المنتشرة في حَبْلٍ، هاتفًا: “لماذا على الحياة أن تكون معقدة إلى هذا الحدّ؟!” وبدا لي صديقي السويسريّ على غرار الرجل في المشهد الثاني، حين حرَّك الحبل يمينًا وشمالًا، فوقًا وتحتًا، فراح يتحرّك بكلّ سلاسة، وانسيابية، وسهولة؛ مما دعاه إلى الشعور بالضجر، فانطوى على نفسه، وأكَبَّ بوجهه على ساعده، في انكسار وحزن، هامسًا من أعماق كآبته: “لماذا على الحياة أن تكون مُمِلّةً مُضجِرةً إلى هذا الحدّ؟!”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

Close
Close