تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ثلاثة مقاعد لإيران في الجامعة العربية

خلال أيام، تكون جميع الدول العربية قد استكملت افتتاح سفاراتها في العاصمة السورية دمشق، وإن كان على مستوى قائم بالأعمال في الظرف الحالي. وبات من شبه المؤكد عودة “الدولة السورية” -بنظامها الحالي- إلى حضن الجامعة العربية، وإن كان من غير المرجح حضور الأسد بشخصه مؤتمر القمة القادم؛ لأن وجوده سيُحرج بعض القادة العرب، بمجرد مصافحته، وعلى الرغم من حركة التطبيع القائمة، فإن قلة من الزعماء يقبلون أن يضعوا يدهم بيد مجرم حرب، يداه ملوثتان بدماء مئات الآلاف من أبناء شعبه.

ربّما كان هذا الإجراء أكثر سلاسة وقبولًا، من طرف الشعب السوري الذي خرج على الأسد فكان مصيره القتل والتهجير؛ لو أنه ترافق مع بعض الإجراءات من طرف الجامعة، وإن كانت تلك الإجراءات بسيطة جدًا، كقيام وفدٍ من الجامعة بزيارة مخيمات اللجوء السوري في لبنان والأردن، كدولتين عربيتين أولًا، وفي تركيا كدولة إقليمية ثانيًا، والوقوف على احتياجات الناس هناك، وبخاصة في هذا الطقس العاصف البارد، وتقديم ما تيسّر لهم من مساعدة تقيهم برد الشتاء (ولو على سبيل جبر الخاطر) كرسالة من الجامعة لهؤلاء الناس، مفادها أننا لم ننسَكم.

زيارة وفد من الجامعة إلى مخيمات اللجوء لا يُعدّ تدخلًا في الشؤون الداخلية لسورية، لكون اللاجئين خارج الأراضي السورية، وكون الحكومة السورية قد تخلت عنهم بالمطلق، منذ ثماني سنوات، وكل ما تحاول فعله هو إخافتهم من العودة إلى سورية، عبر نشرها المتكرر لقوائم تضم مئات آلاف المطلوبين والملاحقين من جانب، ومن خلال انتظار أبنائهم لسوقهم إلى الموت على جبهات القتال المفتعلة.

بين طلب الدور وفرضه

من الغريب أن تُطالب الجامعة العربية بدور لها في سورية، وهنا نتساءل: تُطالب من؟ من الذي منع الجامعة العربية من أن يكون لها دور في الشأن السوري؟ أليس النظام هو من رفض كل مقترحات الجامعة العربية، وضرب بها عرض الحائط؟! هل سيُرحّب النظام اليوم بدور لهذا الكيان مرةً جديدة، بعد أن استعاد السيطرة على معظم المناطق بالقوة النارية الروسية والقوة الميليشياوية الإيرانية؟ وهل سيصغي النظام للعرب، وهو من يمتلكه الشعور بانتصاره عليهم مجتمعين، بل قد صرّح بذلك أمين سر مجلس الشعب السوري النائب في البرلمان خالد العبود: “إن سورية منتصرة، وإن العرب عائدون ليعتذروا”!

كنّا سنلتمس جدية أكبر في قرار الجامعة العربية بعودة سورية، لو كان ذلك القرار مرفقًا بإجراء عربي واسع، على نحو إغلاق الممثليات الدبلوماسية والتجارية الإيرانية في كل العواصم العربية، فاستعادة سورية وإعادة الغطاء العربي لها ليس مجرد قرار كحبر على ورق، ذلك أن النظام لن يتخلى عن إيران، مقابل كرسي في الجامعة العربية، وهذا درس تعلّمه بشار الأسد من أبيه الذي أورثه كرسي الجمهورية، حين وقف وحيدًا مع إيران، على مدار ثماني سنوات، في حربها على العراق، والوضع اليوم أكثرُ تعقيدًا في العلاقة بين نظام الأسد ونظام الملالي في طهران، بسبب امتلاك طهران لعدد أكبر من أوراق القوة لتلعب بها في المنطقة، مثل ورقة الملف النووي وورقة الميليشيات، في كل من اليمن والعراق ولبنان وسورية، والصواريخ الباليستية وقدرتها المتنامية على تهديد الملاحة الدولية، وعلاقتها المتينة مع تركيا وروسيا، وسعي الاتحاد الأوروبي للحفاظ على علاقة جيدة مع طهران، على الرغم من كل العمليات الإرهابية الموثقة التي نفّذها نظام طهران الرسمي، في أوروبا العام الفائت.

لا نظن أن نظام الأسد سيستبدل بكل ما سبق كرسيًا في الجامعة العربية، فنظام الملالي يُقدّم له سلّة أمان موثوقة لبقائه مدى الحياة من دون عناء، والعرب هم من بحاجة إلى سورية وليس العكس، فهم سوق للسلع السورية، بينما النظام يمكنه الاستغناء عن السلع العربية -على ندرتها- في السوق السورية، وإيران قادرة على الضغط على تركيا، من أجل إعادة العلاقات مع دمشق، وفتح البوابة الأوروبية البرية.

إن سارت الأمور على هذا النحو؛ فبإمكاننا القول إن الجامعة العربية في طريقها إلى الحضن الإيراني، وإن سورية ليست في طريقها إلى الحضن العربي، أي أن المطلوب من دمشق هو فتح الباب أمام العرب، لتقبل بهم طهران، وليكون لطهران ثلاثة مقاعد رسمية في الجامعة العربية، على الأقل، هي العراق ولبنان وسورية.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close