تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الانسحاب الأميركي.. بين التنفيذ والتأجيل

بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب قوات بلاده العسكرية من سورية، قال مسؤول أميركي إن القوات الأميركية قد لا تنسحب من قاعدة التنف، وأشار إلى أن القوات الأميركية قد تبقى هناك مدة غير محدودة، ووفقًا لشبكة NBC فإن مستشار الأمن القومي جون بولتون توجه إلى “إسرائيل” السبت الفائت، ليُناقش مع المسؤولين الإسرائيليين خططًا محتملة، للحفاظ على جزء من القوات الأميركية في قاعدةٍ بالقرب من الحدود الأردنية، التي لعبَت دورًا حاسمًا في الجهود الأميركية للحد من نفوذ إيران في المنطقة، إضافة إلى أنّ توجه بولتون إلى تركيا، لبحث مسألة الانسحاب، أثار ريبة حول ما تنوي الولايات المتحدة فعله.

الإعلامي السوري أيمن عبد النور أكد لـ (جيرون) أن “انسحاب الجنود الأميركيين قرارٌ اتخذه الرئيس، ولا عودة عنه إلا تحت ظروف مختلفة، لكن سحب الجنود لا يعني عدم التواجد العسكري الأميركي أو التخلي عن المصالح الأميركية، أو الابتعاد من استخدام النشاط العسكري للوصول للأهداف الموضوعة”، وقال: “إن هناك دراسة الآن للخطة الأميركية التي ستُعتمد بعد سحب الجنود من سورية، وستتضح معالمها، بعد عودة الوزير بومبيو من جولته إلى الخليج ومصر والأردن، وعودة بولتون من جولته إلى (إسرائيل) وتركيا، ويتوقع أيضًا أن يكون قد صدر قانون (سيزر) من مجلسي النواب والشيوخ، ووقّعه الرئيس الأميركي، وبالتالي سيتم صوغ الخطة الجديدة، وهناك بعض الحلول المطروحة لتغطية الانسحاب للجنود هي: الاستمرار في تزويد السلاح للمقاتلين الأكراد بعد أن طُلب منهم رسميًا التريث بعقد الاتفاق مع دمشق؛ إقامة منطقة منع طيران للنظام فوق شرق الفرات؛ الاستمرار في تزويد المقاتلين الذين يخدمون الأجندة الأميركية بالمعلومات والإنذار المبكر والمعلومات الاستخبارية، كما سيتم استخدام قانون سيزر بفرض عقوبات على المصرف المركزي السوري، ومجموعة من الأفراد والشركات التي تتعاون مع النظام ووجوهه المتعددة، من أي بلد كانوا”.

أما الكاتب السوري عبد الباري عثمان فقال: “إعلان ترامب قرار انسحاب القوات الأميركية من سورية، عبر تغريدة على (تويتر) في 15 كانون الأول/ ديسمبر، كان مفاجأة للجميع، إذ أدخل المنطقة في حالة من الغليان، وبدأت دول ترحب بالقرار، وأخرى تشكك فيه، وأنا أيضًا أشكك في قرار ترامب، لعدة أسباب، منها أن المنطقة التي تسيطر عليها القوات الأميركية تعتبر درّة سورية، لكونها ذات مركز استراتيجي مهم”.

ورأى أن “هناك غايات انتخابية لتصدير بعض المشكلات الداخلية، وقد تكون ﻹثارة النعرات بين روسيا وتركيا من جانب، وروسيا وإيران من جانب آخر، حيث كانت روسيا تدعي أن القوات الإيرانية تربط انسحابها بانسحاب القوات الأجنبية من الأراضي السورية، وقد مضى على قرار ترامب نحو شهر، ولم يصدر أي حديث عن انسحاب القوات الإيرانية، بل بالعكس جهزت نفسها مع قوات النظام للسيطرة على مزيد من الأراضي، وحاولت التقدم باتجاه منبج والتنف، لذلك أعتقد أنه حتى لو انسحبت بعض القوات الأميركية فإنها ستبقى حاضرة، وبإمكانها الحفاظ على مناطق نفوذها من خلال قواعدها في العراق، وأعتقد أنها ستحافظ على أكثر من قاعدتين، في شرق الفرات، ولهذه الغاية يأتي التحرك الدبلوماسي الأميركي”.

من جانب آخر، أشار الباحث السوري خالد صالح إلى أن “إعلان انسحاب القوات الأميركية أثار ردات أفعال لدى مختلف اللاعبين في الشأن السوري، راوحت بين الغبطة والتذمر. هذه الردات (ما عدا الحليف الكردي، وإلى حد ما التركي)، لا تعدو كونها (زوبعة) تمنح أصحابها شعورًا نفسيًا بالرضا لا أكثر، فأميركا -لكونها قادت تحالفًا لضرب (داعش) والقضاء عليه- لا تحتاج إلى تصريح عند دخولها، ولا عند خروجها، على الأقل في المدى المنظور وربما المتوسط، وخاصة في هذه المنطقة من العالم (المشرق العربي) نظرًا لأهميتها في الاستراتيجية الأميركية”.

وأضاف: “الثابت أن أدوار اللاعبين الآخرين، وخاصة الروسي منها، قد تمّت برضا أميركا وموافقتها. أما بخصوص الانسحاب الأميركي، حجمه ومداه، فأعتقد أنه لا يعدو كونه (إعادة انتشار) لا أكثر. وربما تكون قاعدة التنف في موقع القلب للانتشار، نظرًا لأهميتها، من حيث الموقع في المثلث السوري، الأردني، العراقي، وقدرتها على التحكم في الطريق البري بين العراق وسورية، وخاصة في سياق مطالبة واشنطن بخروج إيران، وأذرعها من الساحة السورية، والعمل على تحجيم دورها في المنطقة”.

أما الكاتب السياسي المعارض ميداس أزيزي فقد قال لـ (جيرون): “من غير الواضح الآن المدة الزمنية المحددة للانسحاب العسكري الأميركي من سورية، وبتقديري حتى الأميركيون لا يستطيعون جدولة الانسحاب، بسبب ما قد يستجد من تطورات وعراقيل أمام اتفاقهم غير المعلن مع الروس حول مستقبل سورية. ومن أجل فهم أعمق لحقيقة الانسحاب الأميركي من سورية؛ يجب النظر إلى الثوابت الاستراتيجية في السياسية الأميركية في سورية، من عهد أوباما إلى الآن، وهي: 1- أمن الحدود الإسرائيلية بالدرجة الاولى. 2- القضاء على (داعش) وملحقاتها. 3- ضمان الانسحاب الإيراني الكامل من سورية مع ميليشياتها، ومنع استكمال الخط الإيراني لبنان عبر الأراضي العراقية السورية. 4 – إنجاز حل سياسي في سورية عبر عملية انتقالية، مع عدم ممانعة بقاء بشار الأسد لفترة على سدة الحكم بضغط روسي حتى يتم إنجاز العملية السياسية، وملامح هذه الصفقة توضحت من خلال تسليم المناطق إلى النظام، حلب ثم درعا وريف دمشق، وفتح معبر نصيب وزيارة الرئيس السوداني، وعودة السفارة الإماراتية، والتصريحات السعودية بعدم ممانعتها لعودة سورية إلى الجامعة العربية”.

وأضاف: “حوارات (قوات سوريا الديمقراطية) مع النظام السوري، للوصول إلى اتفاق لعودة النظام إلى مناطق شرق الفرات، بعد التوافق على صيغة توافقية على شبه إدارة ذاتية، هي برضا أميركي ورعاية روسية، لذا أعتقد أن أي انسحاب عسكري أميركي يرتبط بتحقيق تطور نوعي في هذه المسارات، والوجود الأميركي السياسي سيبقى في سورية، وإن خرجت من سورية عسكريًا”.

فيما قال الكاتب والصحفي السوري أحمد قاسم: “إن لبقاء الأميركي ركيزتين أساسيتين: الأولى هي الإشراف على أسواق الطاقة واستثمارها في المنطقة، والحفاظ على تواجد شركاتها العابرة للقارات التي تقوم بأعمال استثمارية في العديد من الدول الغنية باحتياطاتها من النفط والغاز، وكذلك تأمين أسواق لمنتجاتها من الصناعات المنافسة عالميًا، وسط تحرّك نشط من قبل الصين والروس تجاه دول المنطقة لربطها بالاقتصاد الروسي والصيني، وكذلك حصر النفوذ الأميركي في المنطقة”.

وأضاف: “غرّد ترامب تغريدته وأدى إلى خلط الأوراق والتغيير في تحديد أولويات العديد من الدول، إلا أن الإدارة الأميركية ليست أسيرة بيد رئيسها، حيث هناك كثير من المعوقات القانونية في وجه قرارات الرئيس، إن لم تكن في مصلحة الاستراتيجية الأميركية (القصيرة والبعيدة) في المنطقة. وأنا أتفهم معاناة أميركا في المنطقة أمام هجومات العمالقة الناعمة ضد وجودها، إلا أنها لا تمتلك خيارًا إلا الاستمرار في بقائها، وتحمل تبعات المواجهة (وهي تمتلك العديد من الخيارات) وأساليب متعددة لتكون كمخمدات لوقع الصدمات، أي ابتلاع قوة الصدمة والقضاء على آثارها. ومن ثم الانقلاب نحو الهجوم بشكل دراماتيكي، مع استخدامها السياسة البراغماتية الممزوجة بأساليب وقحة مستفزة حينًا واستغلالية أحيانًا، خدمة لمصالحها الاستراتيجية.. لذلك فالقوات الأميركية لن تنسحب كلية، وقد تكون هناك انسحابات، أو إعادة للتموضع حسب استراتيجياتها (للأمن القومي) الذي لا ينفصل أبدًا عن أمنها الاقتصادي”.

وتابع: “منذ بداية العام 2019 تبدأ بتحديد أولوياتها وفقًا للمنظومة الدولية التي كبلت مجلس الأمن، في حل الصراعات الدولية والإقليمية، وأن المنطقة سترى متغيرات هائلة، ويجب أن تكون أميركا حاضرة لتضع مرتكزات المنظومة الدولية الجديدة، وخاصة تلك التي تخص منطقتنا الشرق الأوسطية والخليج وإيران، كون هذه المنطقة تشكل البعد الجيواستراتيجي للدول الصناعية الكبرى، وفي مقدمتها أميركا وروسيا. فهل يُعْقل أن نصدق بأن أميركا ستنسحب من سورية؟ من دون أن ننسى الربط بين الأزمات، في كل من العراق وسورية ولبنان، والدور الإيراني في هذا الربط؟”.

من جهته رأى الباحث السوري محمود الوهب، في حديث إلى (جيرون)، أنكل حديث يتعلق بتخلِّي الولايات المتحدة الأميركية عن مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، هو باطل. فالأمر يتعلق بأكثر من مصالح سياسية واقتصادية، وأكاد أقول إنَّ كل نفَس تستنشقه أميركا، منذ سبعين عامًا إلى الآن، فيه شيء من نسائم الشرق الأوسط. فمنذ اجتماع الرئيس الأميركي فريدريك روزفلت، مع عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، على ظهر الطراد (كوينسي) في البحر الأحمر، في 14 شباط/ فبراير عام 1945، كان روزفلت السباق إلى مركز ثقل المنطقة، على غير صعيد، وهو في طريقه إلى قمة مالطة التي تجمعه مع السوفييتي ستالين وتشرشل الإنكليزي، لتقاسم النفوذ في بلاد الثروات والفقر والتخلف، فمنذ ذلك التاريخ، كلّ الانتصارات الأميركية مرتبطة بفوائض ثروات الشرق الأوسط التي منحت أميركا القوة والتميز”.

وأضاف: “إذا كانت روسيا اليوم قد وضعت ثقلها في سورية للنفوذ والمساومة؛ فإن الأميركيين لن يخرجوا للغرض نفسه، ولأسباب أخرى. لا من قاعدة التنف ولا من غيرها! والرئيس الأميركي (ترامب) تراه اليوم يُلعِّب العالم على أصابعه، كلاعب (كشتبان) رابح دائمًا. هذا في الإطار العام، أما في التفصيل، فيمكن للأميركيين أن ينسحبوا، والآخرون معهم، إذا كان ثمة حل سلمي ينهي الحرب في سورية، ويضمن وجود نظام يتوافق عليه الشعب السوري ومعظم الدول المتدخلة في شؤونه. وقبل هذا وذاك يضمن مستقبل إسرائيل. ويبعد إيران لا كقوة تهددها، بل كعنصر غريب يتدخل في مناطق تعدُّها إسرائيل جدار أمنها وحرمها”.

فيما قال الكاتب الفلسطيني علي الكردي لـ (جيرون): “الأقوال شيء، والأفعال شيء آخر تمامًا. لا أعتقد أن هناك انسحابًا أميركيًا كاملًا من سورية، بل ثمة إعادة انتشار وتموضع. القاعدة العسكرية الأميركية في (التنف) هي نقطة استراتيجية، ومصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى، ولا يمكن للحليف الاستراتيجي لإسرائيل التخلي عن هذه القاعدة بسهولة، وترك هذا الممر مفتوحًا أمام تمدّد النفوذ الإيراني”.

وأضاف الكردي: “لعل زيارة مستشار الأمن القومي جون بولتون لإسرائيل، ومن ثم إلى تركيا هي لطمأنة الحلفاء من جهة، ولإعادة ترتيب ورسم الخطط للمرحلة القادمة من جهة ثانية. أميركا موجودة. ليس في سورية فحسب، بل في كامل المنطقة، من خلال قواعدها العسكرية في تركيا والعراق وقطر، ومن خلال قطعها البحرية، وأقمارها الاصطناعية التي تفرض سيطرتها على أجواء المنطقة، وبالتالي فإن انسحابها الجزئي من شمال شرق سورية، إذا تمّ -وأنا أستبعد ذلك- فلن يتم بسرعة، من دون ترتيبات مسبقة مع حلفائها، وذلك حتى لا تترك فراغًا خلفها، إلّا -اللهم- إذا كان خلط الأوراق، وترك الفراغ هو الهدف المقصود بذاته، لكن الوضع ما زال غامضًا”.

واستطرد: “ماذا تعني مطالبة أميركا من تركيا بضمانات في عدم ذبح حليفها الكردي؟! نحن في الحقيقة أمام مشهد في غاية التعقيد، ومن المرجح أن يشهد المسرح السوري في المرحلة القادمة عملية تصفية حسابات بين اللاعبين الإقليميين والدوليين قد تكون دموية. الجميع في حالة سباق مع الزمن، قبل الشروع في حل سياسي جدّي يعيد الاستقرار لهذا البلد، لن تسمح الولايات المتحدة وإسرائيل باستمرار النفوذ الإيراني في سورية على ما هو عليه، على الرغم من أن إسرائيل ليس لها مشكلة مع بقاء النظام السوري، بعد اقتلاع مخالب النفوذ الإيراني. كذلك ليس لتركيا مصلحة في استمرار (قوات سوريا الديمقراطية) الكردية على حدودها في شمال شرق سورية، وهي تريد حلًا لهذه المعضلة، من دون تصادم مع حليفها الأميركي أو الروسي. من جهتها تبدو روسيا مربكة، مع أنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتريد الحفاظ بيدها على كل الخيوط، فهي لن تغامر بعلاقتها مع إسرائيل، ولا تريد إزعاج الصديق التركي، ولها مصلحة في الحفاظ على توازن علاقتها مع ايران، ولكن كيف يمكن لها الاستمرار في الجمع بين هذه المتناقضات، والحفاظ في الوقت ذاته على تفاهمات مع اللاعب الأميركي، لا سيّما إذا وصل الوضع إلى حدّ الصدام العسكري المباشر على الأرض السورية، بين إسرائيل من جهة، وبين إيران و(حزب الله) من جهة أخرى؟!”.

وختم: “أعتقد أن المرحلة القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت، ولا بدّ من خاسرين في هذه اللعبة المعقّدة. ربما يضطر بوتين إلى التخلّي عن حليفه الإيراني، ويضطر الأميركي إلى التخلّي عن حليفه الكردي، ويضطر التركي إلى التخلّي عن حلفائه في إدلب وغرب سورية، وسيجد النظام السوري نفسه (ربما) أمام مفترق طرق يفرض عليه استدارة كاملة، وتغيير تحالفاته ( إذا أراد الحفاظ على سلطته) وذلك بالتخلي عن إيران و(حزب الله)، بعد تمهيد الطريق أمامه لهذا الخيار من قبل أميركا وإسرائيل، ومن ثم إعادة تأهيله بالعودة إلى ما يسمّى (الحضن العربي) بيد أن إخراج إيران من المعادلة، بعد كل الذي استثمرته في الوضع السوري لن يكون لقمة سائغة، وأمرًا سهلًا. الثمن الأكبر سوف يدفعه الشعب السوري، الذي وجد نفسه ذبيحةً تنهش جسدها كل هذه الوحوش الضارية!!”.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close