أدب وفنون

“فهرس الخوف” شِعرية التشكيل البصري

يبدو أن الكتابة الشعرية تذهب نحو المزيد من التشكيل البصري؛ إذ ثمة علاقة جدلية ما بين هذين الجانبين من الجوانب الإبداعية، سواء من جهة الاستفادة من تقنيات الفن التشكيلي وجمالياته في الشِعر، وتحديدًا، في ما يخص الطبيعة، تلك المشاهد الصامتة والصائتة في الآن معًا، أو من حيث توظيف اللغة الشِعرية في بنية اللوحة وتركيبتها اللونية/ الكرنفالية.

في مجموعتها الشِعرية الجديدة (فهرس الخوف) الصادرة مؤخرًا عن دار العين (القاهرة 2018)، تكتفي الشاعرة المصرية رنا التونسي بثلاثة وخمسين مقطعًا شِعريا قصيرًا؛ كل مقطع عبارة عن مشهد جمالي ملتقط بعناية وإتقان، يكاد أن يكون أشبه بصورة فوتوغرافية أو لوحة تشكيلية، وفي أحيان أخرى، تكون أشبه بفيلم سينمائي قصير؛ تقول الشاعرة:

“أنا الشباك الذي يتكسر وحده/ قبل أن يفكر طفل/ أن يمسك حجرًا”.

وفي مقطعٍ/ قصيدة أخرى، نجدها تقول:

“توقفت ساعتي هنا/ حيث زمن الحب الصغير/ والقلوب التي تطير في السماء”.

الاهتمام باللغة الإيمائية في المقطعين السابقين ينسحب على جل مقاطع هذه المجموعة، ولعلّ الملفت -أيضًا- تلك النبرة الموسيقية العذبة التي تخص الطبيعة وحدها، وترافق أجواءها.

زمان موازٍ للواقع

تكتب رنا التونسي بلغةٍ هادئةٍ أقرب إلى ضرباتِ فرشاةٍ خفيفة على جسد الورقةِ البيضاء؛ حيث حميمية أحلام الطفولة (وهو ما يرمز إلى الماضي/ الذكرى) “تعمل فيها المخيلة الطفولية كمكان تتوق الذات الشاعرة إلى العودة إليه، وتشكل الأحلام البسيطة لذات مغلفة بالوحدة جدران هذا المكان، وسقفه”، على حد تعبير الروائي المصري أحمد عبد اللطيف، في معرض تقديمه للمجموعة.

جنبًا إلى جنب، مع قلقِ اللحظة الراهنة (“البيت” على سبيل المثال لا الحصر، كونه “الحاضر” أو “المستقبل”، لا فرق)، نجده -ها هنا- وفي درفةٍ واحدة؛ حيث تقول الشاعرة:

“في مكانٍ ما من العالم/ كنت أحلم أن يكون لدي قوارب ورقية زرقاء/ لا أريد قوارب حقيقية/ فقط قوارب ورقية زرقاء صغيرة/ يمكنها أن توصلني إلى البيت”.

وفي مقطعٍ/ قصيدةٍ أخرى، يأتي في السياقِ ذاته، تقول:

“أتكلم عن الطفولةِ/ وأنا ألمس الطعناتِ/ عن البيتِ/ وأنا أشبه الرحلة/ الموت يشبه شاطئًا جميلًا/ أوَد أن أسبح بقربه”.

التداخل يبدو جليًا ما بين زمنين متباعدين، بوصفهما طريقينِ غير قابلتين للالتقاء، لكأنها “قصيدة بلا زمان محدد، لأنها لا تعود إلى الماضي ولا تروح إلى المستقبل، إنما تبقى معلقة في الزمان المتخيل، وهو زمان موازٍ للواقع، غير أنه ليس اللحظة الحاضرة”.

أجواء غرائبية متناقضة

مجموعة (فهرس الخوف) التي جاءت في 64 صفحة من القطع المتوسط، هي الإصدار الشِعري التاسع لرنا التونسي، إذْ سبق لها أنْ أصدرت المجاميع الشِعرية التالية: “ذلك البيت الذي تنبعث منه الموسيقى (2001)”، “وردة للأيام الأخيرة (2002)”، “وطنٌ اسمه الرغبة (2005)”، “تاريخ قصير (2006)”، “قبلات (2010)”، “السعادة (2012)”، “عندما لا أكون في الهواء (2014)”، و “كِتاب الألعاب” (2015).

في هذه المجموعة؛ ثمة لغة ضبابية وسلسة في آنٍ واحد، بينما العوالم والأجواء التي يتم تناولها تبدو غرائبية وبسيطة أيضًا، فضلًا عن أنها متناقضة كالوجود والعدم، الفرح والحزن، الليل والنهار، الأنا والآخر؛ “قوارب ورقية، بحر، بيت، طريق، سفينة، وحدة. مفردات لا تشير إلى الحياة اليومية، بقدر ما تشير إلى الحياة الوهمية، حيث كل شيء غائم وجميل لأنه لن يتحقق”. تقول رنا:

 

“أريد أن أقرأ في الظلمة/ كلمات كثيرة تحدثني عن الأمل/ عن الضوء الذي تركته/ والأعداء الذين أحبهم/ كما لو كنا أصدقاء”.

ــــــــــــــــ

الكتاب: فهرس الخوف (شِعر)

المؤلف: رنا التونسي (مصر)

الناشر: دار العين- القاهرة (2018)

الصفحات: 64 صفحة

القطع: المتوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close