سلايدرقضايا المجتمع

“موالون” يعيشون في “أحواض سمك”

مع اقتراب الكارثة السورية من خط النهاية، بسبب انحسار العمليات العسكرية الواسعة، والانكفاء إلى العمليات المحدودة والفردية، ثمة تغيرات بدأت تطرأ على المشهد الداخلي في سورية، هذه التغيرات مترافقة مع ما يشبه الاستفاقة من الصدمة والعودة لدفاتر الحسابات، من كل الأطراف، في سباق محموم على تأكيد المكاسب وتأطيرها.

بداية، نرى هذه التطورات في الجهة المؤيدة لنظام الحكم وجمهورها؛ فهذا الجمهور كان، طوال سنوات، كأسماك أحواض الزينة، لم يجتهد يومًا في تحصيل طعامه أو هوائه، فمالك الحوض يقوم بهذه المهمة بانتظام، فهو من يختار نوع “العلف” لهذه الأسماك وساعات التهوية، حتى نسيت تلك الأسماك أن بيئتها الطبيعية هي البحار والمحيطات، وليست الأحواض الزجاجية، ولهذا، ولكونها قادرة على السباحة ضمن هذه الأحواض، ظنت نفسها حرة، بل إنها خافت من مغادرة الأحواض إلى بيئتها الطبيعية، واكتفت بهذا الشكل المقنّع من الحرية، هذا الجمهور بدأ اليوم بالاستفاقة، فالنصر الذي وعدهم به القائد قد تحقق أو على وشك، كما يظنون، وهم من قدّموا أرواحهم فداءً لسيدهم، وينتظرون اليوم المكاسب وقطاف ثمار ذلك “النصر العظيم”. عشرات آلاف الجرحى والمعاقين الذين لا مُعيل لهم، ولا يملكون ثمن دوائهم أو طعامهم، بدؤوا إرسال شكواهم إلى “سيّد الوطن” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يستنجدون به من استبداد (محافظ حمص) موجهين سهام النقد والشتيمة إلى كل أقطاب الدولة، متهمين إياهم بالتقصير والإهمال، وخداع “السيد الرئيس”، ووصل الأمر إلى مستويات أعلى، حيث خرج أمين فرع ريف دمشق السابق للحزب، مهددًا مسؤولي الدولة بفضحهم، من خلال بث مباشر على (فيسبوك)، واستكمالًا للكوميديا السوداء، يستقيل نائب في البرلمان من محافظة دير الزور، احتجاجًا على سياسات الحكومة الاقتصادية، مطالبًا “القائد الحكيم” بتسليم الملف الاقتصادي الخاص بدير الزور لـ “العقل الاقتصادي النيّر، وصاحب المشاريع العملاقة” رامي مخلوف.

الصورة في مناطق سيطرة النظام، وتحديدًا في محيط خزّاناته البشرية، بائسة جدًا ومؤلمة، حيث ينتشر الفقر والمرض في مجتمعات تفتقر إلى العنصر الشاب الذي ذهب ضحية حنكة القيادة، وحكمتها في إدارة البلاد، على مدار سنوات الحرب التي شنها على شعبه، وأصبح أكبر حلم للمعاق هو تأمين طرف اصطناعي، وترخيص “بسطة” يبيع عليها ما تيسّر، علّه يحصل على ما يسد رمق أبنائه آخر النهار أو على ثمن دوائه لعلاج جراحه التي لم تُشفَ بعد.

ويطغى على أنين هؤلاء هتافُ طبقة المستفيدين من الحرب، الذين استطاعوا تحصيل ثروات من “التعفيش” والتهريب والسرقات والخطف وإدارة الميليشيات، حيث تعلو هتافات هؤلاء للنصر المؤزر، معاهدين “القيادة الحكيمة” بالتضحية بالفقراء من أبناء جلدتهم، وطبعًا ليس بأبنائهم الذين قاموا بتهريبهم إلى لبنان، ومنه إلى أصقاع العالم، حفاظًا على حياتهم، وليبقى أبناء الطبقة الفقيرة أبناء “أحواض السمك” تحت رحمة “جمعية البستان الخيرية” وتسلّط أمراء الحرب الجدد، والغريب أن طيفًا واسعًا من الضحايا ما زال مقتنعًا بأن الحياة في الأحواض أفضل من العودة إلى الحياة في المحيطات، كشكل من أشكال الإدمان.

على جانب الثورة، لا تقلّ الصورة سوادًا عن الطرف المقابل، فبعد الاختراقات الواسعة للنظام، اجتماعيًا واستخباراتيًا، واستخدام روسيا للقوة ما فوق المفرطة، نرى اليوم البعض فرحًا بالحصول على نصف ما كان يحصل عليه قبل الثورة، بل إن بعضهم يُهلل لذلك على أنه إنجاز عظيم وغير مسبوق، والبعض الآخر ذهب أبعد من ذلك، وأصبح أكثر ولاءً للنظام من ضباطه، وأخذ يقوم بدور الشرطة العسكرية في سوق أبناء قراه ومناطقه إلى الخدمة الإلزامية بالقوة، في مشهد “سريالي” على مسرح اللامعقول، فأيام قليلة فصلت قيام فريقٍ بتصفية آخر بتهمة العمالة، وانتقال ذلك الفريق إلى موقع الفريق الذي قام بتصفيته.

سيكون العنوان الأبرز، في الأيام المقبلة، في المناطق العائدة حديثًا إلى حضن النظام، هو التصفيات بأشكال متعددة، فالنظام بعد إحكام سيطرته على هذه المناطق لن يعود بحاجة إلى من يُساعده ويُشاركه في المكاسب، خاصة هؤلاء الذين له ثأر كبير معهم، من قادة الصف الأول والثاني، حيث سيصار إلى تصفية هؤلاء من طرف النظام، إمّا عبر عمليات اغتيال ينفذها مجهولون من طرف النظام، واتهام ناشطين آخرين بها، أو من خلال رفع دعاوى قضائية بالحق الشخصي لأفراد كانوا قد تضرروا من هؤلاء القادة، في السنوات السابقة، وهذا يشبه إلى حد بعيد لعبة “الروليت” الروسية القاتلة، حيث يتم وضع رصاصة واحدة في مسدس يتسع لست طلقات، لكن في اللعبة هنا سيكون في المسدس ست رصاصات، بدلًا من واحدة، وستكون نسبة القتل مضمونة، حيث لن يفلت أحد، ومخطئ من يظن غير ذلك، فهذا ما حصل في جميع الحالات التي تشبه الحالة السورية، والاستثناء الوحيد هو أن يهرب أحدهم، ويعيش بقية حياته متخفيًا، وهذا شبه مستحيل، حيث إن المساحة بين غضب الشارع وسعي النظام للانتقام ضيقة جدًا، وأما ما يتم تداوله من أن بعض هؤلاء القادة يُحاولون اليوم التحول إلى ساسة يقودون معارضة وهمية، فما هو إلا رقصة الموت، وعملية شراء للوقت الذي بات ينفد سريعًا من الجميع. خسر النظام، وخسرت المعارضة، وستربح سورية، وإن كان الثمن قد صار باهظًا.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close