مقالات الرأي

مكاسب إسرائيلية على وقع الحرب السورية

يمكن لمتابعي الإعلام العبري استنباط حجم الارتياح الإسرائيلي، على ضوء مآلات النزاع المسلح في سورية، وعلى الرغم من تعبير رئيس حكومة “إسرائيل” عن استيائه الشديد، من جراء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من سورية، لأن ذلك سيضع أعباءً إضافية على عاتق “إسرائيل” ويتركها وحدها في مواجهة التمدد الإيراني في سورية ولبنان؛ فإن معظم الخبراء والمحللين الإسرائيليين لا ينكرون المكاسب السياسية والأمنية والاقتصادية التي حققتها المنظومة الإسرائيلية، في معرض الصراع العسكري المتواصل في سورية منذ نحو سبعة أعوام، إذ يؤكدون -دائمًا- أن الأسد بات يمتلك جيشًا منهكًا وضعيفًا، تستدعي إعادة ترميمه مدة طويلة وموارد ضخمة، وليس بمقدوره مواجهة الجيش الإسرائيلي الذي ضاعف قدراته بصورة مذهلة. كما استطاعت روسيا -بالتنسيق مع “إسرائيل”- تحجيم دور إيران، وأضحت المهيمن الحصري في سورية، وهي التي تتحكم في القرار السوري وتوجه الأسد، واستغلت “إسرائيل” واقع الحال، لإعادة تموضعها في منطقة الشرق الأوسط، عبر توافقات مع العديد من الدول العربية، وبالتالي باتت أكثر قبولًا، من جراء الدور المركزي الذي تلعبه بمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، بالتعاون الوثيق مع نظام السيسي ودول خليجية كالسعودية والإمارات والبحرين.

الإعلام الإسرائيلي غيرُ موجه، لكنه غالبًا ما يُعبِّر عن سياسات واستراتيجيات الحكومات الإسرائيلية؛ فصناع القرار الإسرائيليون والإعلام العبري كانوا أول من بادر إلى الإعلان أن البديل في سورية أسوأ من نظام الأسد. حدث ذلك في منتصف عام 2012، قبل ظهور (النصرة) و (داعش) بشكل جليّ، وتصنيفهما من قبل المجتمع الدولي كتنظيمين إرهابيين. وبعد أكثر من سبعة أعوام، بات واضحًا أن إطلاق العنان للتيارات الجهادية، من قبل نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، وتمكينهم من التمدد والسيطرة على الأرض، استهدف -أولًا وأخيرًا- تقويض الطابع السلمي لثورة السوريين، عبر تعويم التنظيمات الجهادية، وتقديمها وكأنها الندّ لنظام الأسد. كما أن دعم اللاعبين الإقليميين لهذه القوى الجهادية، بالمال والسلاح، مكّنها من تحييد القوى المناهضة للعسكرة والمؤمنة بالنهج السلمي للثورة، التي تُعارض التسلح العشوائي القائم على إنكار كل من يخالفها الرأي والاستعداء له، والدعوة إلى الكراهية وارتكاب الجرائم أسوة بما يفعله النظام، وهذا يفضي إلى القول إن اللاعبين الدوليين والإقليميين، وفي مقدمتهم “إسرائيل”، قد بيّنوا مدى عدائهم للطابع السلمي للثورة السورية، التي كان من شأنها -لو نجحت- أن تفضي إلى تهديد بعض العروش والدكتاتوريات العربية، وأن تقوض النهج الإسرائيلي القائم على تبرير سياسة التوسع والاحتلال، تحت طائلة الضرورات الأمنية، والخطر الذي تمثله النظم الدكتاتورية الداعمة للتنظيمات الإرهابية عليها، بصفتها “الديمقراطية” الوحيدة في الشرق الأوسط.

تعبير المحللين وصناع القرار الإسرائيليين عن ارتياحهم لواقع الحال في سورية، أخذ منحًى جديدًا خلال الأسابيع الأخيرة، إذ صاروا يتباهون -علنًا- بنجاح سياستهم المتمثلة بإبعاد إيران عن سورية، ويؤكدون أن نفوذ روسيا في سورية يصبّ في خدمة المصالح الإسرائيلية، على ضوء التنسيق المحكم بين الكرملين وتل أبيب، لجهة تحجيم نفوذ إيران في سورية. ويُبقي الإسرائيليون الأبواب مشرعة لمواصلة قصف مواقع داخل سورية، بدعوى وجود نحو عشرة آلاف مقاتل تابعين للتنظيمات الشيعية في منطقة إدلب وشمالي سورية، للمساهمة في المعركة الأخيرة ضد التنظيمات الإسلامية، وبسط نفوذ الأسد على أرجاء سورية كافة، فضلًا عن وجود مقاتلين تابعين لـ “حزب الله” اللبناني، مع وحدات الجيش السوري، في جنوب وغرب سورية.

في محصلة الأمر، بات الإسرائيليون واثقين بأن نفوذ إيران سيكون محدودًا جدًا في سورية، وسيزول في نهاية المطاف، حيث إن التقاء المصالح بين روسيا و”إسرائيل” أكثر منه بين روسيا وإيران. ويبدو أن الإسرائيليين واثقون من ذلك إلى أبعد الحدود، نظرًا إلى أن “أصدقاءهم” الروس هم أصحاب القرار الذين يمتثل الأسد لما يملونه عليه من أوامر وتوجيهات.

من هذا المنطلق؛ يُلاحظ أن حكام “إسرائيل” ينتهجون سياسة الترويج العلني، عبر إعلامهم العبري، بشأن أهمية وضرورة التعاون مع الروس لإعادة تأهيل نظام الأسد، وجعله ضمن الحاضنة السنّية لضمان ابتعاده من المحور الذي تقوده إيران. هذا الأمر بات متاحًا لـ “إسرائيل”، بعد نشوء واقع جيو – استراتيجي مُغاير، يتيح لها تحصين نفوذها في الشرق الأوسط، عبر التحالف مع السعودية ومصر والإمارات، في مواجهة إيران، وإذا تم ذلك؛ فستكون “إسرائيل” قد حصدت نتيجة الاقتتال بين نظام الأسد والجماعات المسلحة التي يغلب عليها الطابع الجهادي.

لا ضيرَ في تحكم الروس في مقاليد الحكم في سورية، ما دام التنسيق الإسرائيلي – الروسي يسير على أحسن حال، وليذهب السوريون وديمقراطيتهم إلى الجحيم، وليبقَ الأسد صنمًا على كرسي الحكم، يقاوم ويمانع بالأقوال بعيدًا من الأفعال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق