هموم ثقافية

الشعر والمعاناة

بغض النظر عمّا في رائعته (أنشودة المطر) من ترجمة لمعاناة الشعب العراقي الذي كانت بلاده تذخر الرعود، وتخزن البروق في السهول والجبال، حيث ترجمها بقوله: “وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق/ من زهرة يربّها الفرات بالندى”؛ فإن بدر شاكر السياب (1926ـ 1964) يبقى شاعر المعاناة بامتياز، من جراء معاناة المرض الذي دام أكثر من أربع سنوات متنقلًا بجسمه النحيل، بين باريس ولندن وبغداد وبيروت والكويت، حيث وافته المنية في المشفى الأميري بالكويت في 24 كانون الأول/ ديسمبر من عام 1964؛ هذه المعاناة التي امتزجت بمعاناته من فشل مشاريع الحب التي حاول تأسيسها، لكنه كان كمن يحرث البحر، أو يبني أساساته على رمال الخليج المتحركة.

فعن هذه الأساسات غير الثابتة، تتحدث أخبار السياب عن سبع تجارب حب، مع سبع نساء، تناوبن على قلبه الكسير، ولكنه لم يحظَ إلا بحب زوجته إقبال.

وعلى ما يبدو، كان ينقصه جمال الوجه، وكان ذلك السببَ في إعراض النساء عنه. ومع أنه عوّض ذلك النقص بجمال شِعره؛ فإنّ العديد من النساء الجميلات اللواتي أحبهنَّ اكتفين بجمال شعره، كما يُكتفى من المزار بلمس الحجر.

كتبَ السياب كثيرًا عن هذه العلاقة الإنسانية، وتحدث عن عشقه لهن ابتداءً من حبه الأول للشاعرة لميعة عباس عمارة، فتاة دار المعلمين؛ حيث يتذكرها في ليلة مطرية عاتمة من ليالي لندن، فتؤلمه هذه الذكريات:

ذكرتكِ يا لميعةُ والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ولندنُ مات فيها الليلُ، مات تـَنـَـفسُ النور ِ.

رأيتُ شبيهة لكِ شعرُها ظلمٌ وأنهارُ

وعيناها كينبوعين في غابٍ من الحور

أما الشاعرة البلجيكية لوك نوران، فقد بكت بشدة متأثرة، حينما تُرجمت لها قصيدته إلى الإنكليزية، تلك التي تتحدث عنها، حيث يقول في نهايتها:

لم يبق منك سوى عبير

يبكي وغير صدى الوداع

إلى اللقاء

وتركت لي شفقًا من الزهرات جمّعها إناء

غير أن قمة معاناته تظهر في قصيدته “شناشيل ابنة الجلبي“؛ إذ كيف الوصول لابنة الجلبي التي لم يحصد من حبها سوى الخيبة والمرارة والأسى، فالفوارق الطبقية حالت دون الوصول إليها:

ثلاثونَ انقضت، وكبرتُ: كم حب وكم وجد

توهـّج في فؤادي

غير أني كلما صَـفـَـقتْ يدا الرعدِ

مددت الطرفَ أرقبُ: ربما ائتلقَ الشناشيلُ

فأبصرتُ ابنة الجلبيِّ مُـقبـِـلة إلى وعدي!

ولم أرها. هواءٌ كلُ أشواقي، أباطيلُ

ونبتٌ دونما ثمر ولا وَرْد

وحين كانت معاناته هذه تمتزج بمعاناته مع المرض الذي لازمه طوال أربع سنوات، لم يجد غير زوجته إقبال، ليشكو لها ألمه قبل وفاته بأشهر قلائل:

أوصدي الباب

فدنيا لست فيها

ليس تستأهل من عيني نظرة

سوف تمضين وأبقى

أي حسرة؟

أتمنى لك ألا تعرفيها

آه لو تدرين ما معنى ثواني في سرير من دم؟

ميت الساقين محموم الجبين

تأكل الظلماءَ عيناي ويحسوها فمي

تائهًا في واحةٍ خلف جدار من سنين

وأنين

مستطار اللب بين الأنجم

وفي قصيدة “رحل النهار”، يصل السياب إلى قمة اليأس، حينما تسيطر فكرة الموت على ذهنه، فيرى أنه بعد هذه المعاناة لم يبق أمامه سوى الموت:

رحل النهار

فلترحلي، هو لن يعود

الأفقُ غاباتٌ من السحب الثقيلة والرعود

الموتُ من أثمارهنّ وبعض أرمدة النهار

الموتُ من أمطارهنّ وبعض أرمِـدة النهار

الخوفُ من ألوانِـهُنّ وبعض أرمِدة النهار

رحل النهار

وبعد، فإذا كانت هذه المعاناة قد حصدت سني الشاعر الذي لم يجتز الأربعين، فإنها حملت في أوجاعها كنزًا ثمينًا للأدب العربي، وأثرَت موضوعاته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق