أدب وفنون

المرواتي عمار أحمد.. نحات الفراغات والأضواء المرصعة بالأنغام

منح الكلمةَ نبضًا وزغبًا وريشًا نادرًا، في بهاء الشكل الذي برع في أن يضعنا فيه. هذا الكائن الغرد الدكتور عمار أحمد المرواتي، كما يلقب نفسه “كاتب المراوي”، الأديب والموسيقي والإعلامي والأكاديمي، والأستاذ المساعد للأدب العربي الحديث والسرديات، في كلية الآداب بجامعة الموصل، والذي أصدر كتبًا عدة صنفها بـ (المرواة)، منها “أنت موسيقاي” “هذا البياض المحنـّك” “الجوائح”…

لفت نظري اسمه ضمن التعليقات الفيسبوكية، فلم أتوان في طلب صداقته، لأشبع فضولي المعرفي، إلى أن تجرأت وطلبت منه هذا اللقاء، من وراء الكواليس:

– “المرواتي الدكتور عمار أحمد”، وكبداية معرفية، هل لك أن تشرح لي بإيجاز معنى كل من: المرواة، الألحونة، الالتماعة.

= المرواة: فضاء تسريدي مواز للسرد القائم (سرد الرواية والقصة القصيرة والأقصوصة) افترقَ عنها في محاور مهمة؛ لأنه نأى بنفسه عن وظيفة الإخبار، وسعى بحرص وقصد للسير على الحد الفاصل بين الشعر والنثر، فضلًا عن محاور أخرى، ليس آخرها توظيف النوتة الموسيقية بوصفها متلقى بصريًا. أما الالتماعة: فهي الفضاء الموازي للقصة القصيرة جدًا، تعمل بروح تسريد المرواة مع تكثيف أعلى وتجريد أعمق، في محاولة جادة (في المرواة الطويلة والالتماعة) للوصول إلى الموسيقا بالكلام. الالتماعة إذن مرواة قصيرة جدًا. أما الألحونة: فهي -كما هو واضح من اسمها- لحن قصير جدًا (على وزن أقصوصة) انتخبت فيها نصوصًا نثرية -أولًا- لم تكتب للغناء، وقدمتها في صياغات لحنية ابتعدت من الالتزام بالمقدمات الموسيقية والتكرارات والقوالب اللحنية المعروفة.

– “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/ وأسمعت كلماتي من به صمم”. من أنت ضمن إبداعك الفني وكلماته؟

= نحات الفراغات والأضواء المرصعة بالأنغام.

لم أكن مشغولًا بأحد، بعدما نضج مشروعي التسريدي “للمتنبي”؛ طموحات لم أنشغل بها قط مثله: التقرب من الحكام، أو التكسب، أو الحرص على بلوغ مجد يراه هو مجدًا (هذا لا يقلل أبدًا من كونه شاعرًا عظيمًا) لأني هنا أتحدث عن المتنبي ذي الدوافع الاجتماعية، والاقتصادية.. لذا كنت مشغولًا بي، وتوصلت إلى حقيقةٍ آمنت بها في حياتي الفنية والأدبية، هي أن سرّ النجاح الحقيقي وعنوان التفوق يكمن في انتصاراتي عليّ دائمًا، وتجاوز عمار أحمد دائمًا.. كان عليّ أن اقرأ واسمع وأدرس واستقصي وأحلل وأتفكر، لكي أصل إلى مرحلة الإدراك؛ فأعود إليّ لأقول لي: وماذا بعد؟ وأبدأ بداية جديدة لأتجاوزني؛ لذا لم أعد مشغولًا بالآخر، ومثلي لا يمكن أن يكون مشغولًا بجائزة أو تكريم.

– هل أعطيت السر المشترك بين ليالي حياتنا ونهاراتها وأزمانها المنهكة بالصبر؟

= جوهر أي نشاط إنساني فني (أدبًا كان أو موسيقا أو…) إذا لم يكن مشغولًا، بل مشغوفًا بالبحث عن الأسرار وكشفها، فهو عبث، وإذا ما حاولت أن اكون لطيفًا، فسأقول هو لعب فارغ لا يرجو من يقوم به إلا التسلية، أو تحقيق الحضور السطحي الذي لا يرضي من يسعى لاستكناه العالم.

إن السر الأعمق والأجمل والأكمل، هو كيف نصل باللغة إلى موسيقاها. اللغة قوة عظيمة معبأة بطاقة موسيقية عالية، فضلًا عن الطاقات الأخرى، فالحرف اللغوي يشبه النغمة الموسيقية، من حيث إن كليهما يُكتب ويُسمع. السر يكمن في وصولي إلى منح الحرف -بتآلفاته مع الحروف الأخرى- القدرة على الإيحاء والنأي عن التصريح المباشر الذي تمتلكه النغمة، والنغمة تتفوق على الحرف هنا؛ لأنها مقبولة وحدها، فأي ملامسة للريشة على الوتر تستفزّ الأحاسيس وتحرك الدواخل، تلك الحركة المبهمة اللذيذة، بينما الحرف بنطقه منفردًا لا يبلغ هذا.

إن هذا السعي الدؤوب المحمول على القراءات والتمارين والتأمل، يبقى محاولة مخلصة لإعادة التوازن لهذا العالم المختل بفطرته. الحياة ناقصة جدًا من دون أن نبذل الجهود لموسقتها، وكلما تقدمنا في هذا المسعى الجميل والنبيل؛ أسهمنا في تخفيف العبء الثقيل الذي فتحنا أعيننا عليه، وقالوا لنا إنه (الحياة).

– قيل إن لديك أفكارًا فلسفية تترنم بها ثائرًا على الواقع الفاسد، غير المتوازن، وفوضاه المدمرة، أفكارًا تشدو بحب مثالي على يد إرادة أجيالنا القادمة، وتدعمها.

= نعم، أنا ابن الثالوث المكين (فن، حب، حرية) أحثّ على عشق الفن حد الوله، والفن هنا، بوصفه البينة الشاملة لجمال المنجز البشري، ببعده الإنساني وليس العلمي، لأننا -أكاديميًا- نقسم الدراسات إلى إنسانية وعلمية؛ فالفن هنا يشمل الفنون الجميلة، أضيفي إليها الرياضة، فأنا أرى الرياضة فنًا ثامنًا؛ إذا كانت السينما هي الفن السابع، فضلًا عن الفنون الأدبية الإبداعية كلها. أعود فأقول: أحث على عشق الفن بسعته هذه وتنوع محاوره، لأنه الأرض والفضاء اللذان نعيش فيهما، بوصفنا بشرًا، وانعكاس جمالية الفن سيجعل الحياة أفضل لنوعي البشر: الفنانين لأنهم يكونون في سباق مع أنفسهم لتحقيق التقدم الدائم، وغير الفنانين، لأن الفن سيجعلهم أسمى إحساسًا، وأرقى تفكيرًا وأعمق تأملًا، مع يقيني بأن ثمة فروقًا فردية فيما بينهم، ولكن الحد الأدنى سيكون جميلًا، وهذا هو الأساس. أما الحب، فهو تلك القوة التي ستفعل فعلها بعد أن نفرش الحياة ونؤثثها بالفن، قوة التمسك بالحياة، والحرص على عيشها بعمق، وإذا استعرت مقولة ديكارت، فسأقول: “أنا أحب إذن أنا موجود”. سر الوجود الأعظم هو الحب، وما عوامل الفناء سوى بغضاء وكره. الحب حرص على وجود من نحب، والبغضاء والتناحر حرص على إلغاء الآخر.. والبعد الأسمى في الحب، يكمن في تبجيل المرأة، تلك التي تشغل ثلاث أرباع مساحة الجمال في العالم، التي رأيتها سر الإبداع الجمالي في فني الموسيقا والأدب، المشغليّن الأثيرين، لي شخصيًا.

هذان البعدان من الثالوث الأعظم في الحياة، سيدفعان بقوة قاهرة حياتنا نحو الحرية، التي لا أستطيع أن أراها إلا سر أسرار الاكتفاء، لأنها الحلاوة في الشهد، والخضرة في أوراق الشجر، والألوان وعطورها في الورود، وسحر رائحة المرأة عند خروجها متلألئة من حمّام ساخن. قد يبدو هذا الكلام إنشائيًا، ليكن، ولكني حاولت كثيرًا أن أستمتع بكل ما ذكرت، وأنا جائعٌ، موثق اليدين، ومنزوٍ في زنزانة، والعتمة جدار أسمك وأصلب من جبل من حديد، ناهيك عن عبودية الأفكار وقداسة التراث، لأنها الأمضى فتكًا في الفن والحب، فبالتأكيد هي الأشرس قمعًا للحرية.

– كنت قد ذكرتَ أن كلّ الأعمال الحكائية (قصة قصيرة، رواية، قصة قصيرة جدًّا، وحتى المسرحية النثرية) تقوم على فنّ السرد، في حين أن المرواة تقوم على التسريد.!؟

= أنطلق في هذه الرؤية لمشغلي السردي، من ثنائية العالم اللغوي الفرنسي (فرديناند دوسيسير) للغة، عندما قال إن هناك لغة يستخدمها الجميع يتواصلون بها ويتفاهمون، وهناك كلام هو الاشتغال الشخصي للأديب في هذه اللغة. يقترب هذا المعنى من الأسلوب كثيرًا طبعًا، فرأيت أن السرود جميعًا، معنية بالإخبار وإنشاء العالم الموازي المماثل للواقع الخارجي المعيش، وتصويرها الشعري لا يأتي إلا قليلًا، وفي الوصف تحديدًا، فصارت عندي تشبه اللغة المشتركة عند الجميع، فكان ولعي الشخصي بإيجاد كلامي من هذه السرود، فأسميته تسريدًا. أقول بثقة إني أتحدث عن منجز عمره تجاوز خمسًا وعشرين سنة، لأن النص الأول (العاميار) كتبته عام 1990، وكثير من الأصدقاء المقربين الشهود على تلك البدايات، يؤيدون كلامي، وتبعته بنصوص تسريدية أخرى، نشر بعضها في النصف الأول من التسعينيات في الصحف العراقية، وأعلم أن هذه الرغبة شاعت كثيرًا، مع أنها ظلت بلا أصالة عند الأكثرية، لأن الرغبة في التقليد لا تحقق أهدافًا مهمة. فالتسريد هو الحضور الشخصي للمرواتي الذي كتب المرواة مغيرًا في جوهر الرواية، من حيث الاعتناء بالمبنى الحكائي، على حساب المتن، وهذا قلب للمألوف الذهني عند كتابة الرواية، فضلًا عن إلغاء الاستهلالات التقليدية، وابتكار حكاية شعبية تشكل ذاكرة نصية، لا تعتمد الحكايات الشعبية المحلية أو العالمية المعروفة. هذا كله، بلغة نأت عن الإخبار المباشر، وصارت تسعى بحرصٍ للمشي على الحد الفاصل بين النثر الشعر، ولأني موسيقي، فقد وظفت النوتة الموسيقية، بوصفها متلقى بصريًا، بعد أن كانت المتلقيات البصرية محصورة بالصورة قديمًا وبالتخطيط التجريدي حديثًا. أليست هذه الخروجات على المألوف السردي، جديرة بأن تجعل المرواة فنًا تسريديًا؟

– المرواتي عمار أحمد، حوارنا قد لامس اختصاصاتك المميزة كلها، لكني نسيت ما هو أهم! هل لك تعريف ما يلي: حواء، آدم، الطفل، الربيع، الربيع العربي، الوطن العربي، العراق، الموصل.؟؟

= حواء: أول امرأة في المخيال البشري راحت ضحية الذكورة الفكرية.

آدم: الرجل الذي انحاز إلى اللذة الإنسانية مضحيًا بالجنة نفسها. ولأننا نحب الحياة فعلينا ألا نسقط عليها جام غضبنا؛ لأنهما الابتداء.

الطفولة: السعادة الأكمل المستذكَرة دائمًا؛ لأننا لا نعرفها إلا بعد مغادرتنا لها، أو مغادرتها هي بتعبير أدق.

الربيع: آلة الزمن الموسيقية في شبابه ونزقه وجهله للخريف.

الربيع العربي: جمع ربيع الفصول ربيعات، وجمع الربيع العربي يرابيع!

الوطن العربي: الحلم الذي ظل غير قابل للتحقق.

العراق: الشيخ الجليل الذي صار يعاني كل المرارات، من عقوق أبنائه، وغدر إخوانه، ونكران الجميل ممن كان كعبتهم، وضغينة أبناء الصحاري من حضارته وعتاقته، وطمع اللصوص الكبار في ثرواته.

الموصل: أُلحونتي على مقام الرست:

أنا من موصلِ الخيرات سليلُ العلم والفن…

تراود عمري الخيبات وأحسِن دائمًا ظني

أنا الإنسان يا ظلمات وضوئي

بالتماعات عشقه الصوفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق