مقالات الرأي

التمرد واليأس

قال لي أحد قادة الكفاح الوطني الثوري السوري، بكل ألم وحزن، عندما سألته عن غيابه: “لقد يئستُ يا أخي، ما جرى ويجري لم يكن في الحسبان”، وراح يشرح لي ماذا يعني أن ينتقل الإنسان المتمرد، من حال الأمل بتحقيق ما تمرد من أجله، إلى وضع اليأس والكفر بالأهداف التي كافح من أجلها.

لقد ميّز الفيلسوف الفرنسي الوجودي ألبرت كامو، في كتابه الشهير (الإنسان المتمرد) بين نوعين من التمرد: الأول هو التمرد الذاتي على الوضع المتعلق بي من أجل الحصول على وضع جديد، كتمرد الموظف على درجته من أجل درجة أعلى وهكذا، والثاني هو التمرد على الوضع الكلي، وأطلق عليه التمرد الميتافيزيقي، كالتمرد على الأصنام من كل الأنواع، وعلى السلطة وعلى الاضطهاد.

لستُ في وارد تقديم “كامو” للقارئ، إنما سأجعل من التمرد الكلي الميتافيزيقي أساسًا للحديث عن اليأس.

لا تنفصل التجربة الإنسانية في التمرد، عن الأمل، فمن لا أمل له لا يتمرد بالأصل، فأنا أتمرد إذًا أنا موجود، “الكوجيتو” الجديد الذي طرحه “كامو” لا ينفصل عن “أنا آمل إذًا أنا موجود”، فلا انفصال إذًا بين التمرد والأمل.

السؤال: هل يمكن للمتمرد أن يصل في لحظة ما إلى حال من اليأس، واليأس هو فقدان الأمل بجدوى التمرد؟

الجواب: نعم، فقد يصل متمرد ما إلى حال من اليأس، إذا ما وصل إلى قناعة بأن الواقع الذي تمرد عليه لتغييره لا يقوى على زحزحته؛ فتذهب به هذه القناعة المتولدة من وعي بالعجز، إلى عالم اليأس والاعتزال.

السؤال: لماذا ينتاب هذا اليأسُ متمردًا ولا ينتاب آخر؟

الجواب: يعود ذلك إلى طبيعة الشخص البيولوجية والنفسية والاجتماعية، فالأفراد مختلفو الطبائع.

إذا ما انتقلنا الآن إلى المتعيّن العربي، فإن وقائع كثيرة معنّدة قد تقتل الأمل في بعض النفوس المتمردة، وبخاصة إن لم يكن وعيه بها وعيًا علميًا.

فبعض المتمردين المصريين يتساءلون عن جدوى ثورتهم على نظام مبارك، وقد كان البديل حكم الإخوان، ومن ثم عودة العسكر إلى السلطة. فالأمل الذي وقف وراء تمردهم لفظ أنفاسه الأخيرة، واليأس هنا إحدى ردات الفعل الطبيعية عند بعضهم، وعلى عكسهم نجد أن هناك من يُبقي جذوة الأمل التي تدفعه إلى الاستمرار بالتمرد الميتافيزيقي.

المتمرد السوري، وقد خذله العالم، ودمّر عنفُ الجماعة الحاكمة وميليشياتها و(داعش) و(النصرة) أملَه في الدولة الديمقراطية، ألقى بجزء من اللائمة على قيادة العمل الكفاحي، السوريون -والحال هذه- لا بد أن تتسرب إلى عدد منهم روح اليأس.

حين يتأمل العلمانيون الديمقراطيون والتنويريون حال الوعي الراهن، والأثر الفاعل للخطابات اللاعقلانية؛ يتساءل بعضهم بحرقة: ما جدوى خطابنا أمام هذا الخطاب الذي يستند إلى إرث متكون من اللاعقلانية. فينكفئ بعض منهم إلى عالمه الداخلي، يائسًا منهزمًا، بل إن الحياة اليومية، وما فيها من رعاعية وعنفية وظهور كاذب، تجعل أكثر الآملين عرضة لليأس.

الحق أن التمرد الكلي على الواقع العربي يحتاج إلى معرفة عميقة بالواقع من جهة، وإلى صبر وأناة من جهة ثانية.

ولا شك في أن الكائن البشري يطمح إلى أن يرى آماله وقد تحققت في الواقع، ولكن أن يربط تمرده الكلي الميتافيزيقي برؤية ما تمرد من أجله واقعًا، أمرٌ ليس واقعيًا، لأن المتمرد على العالم وعلى الوضع الكلي يسعى لإنجاز قطيعة كبرى مع المرحلة التاريخية، والقطيعة التاريخية مع واقع استمر عقودًا من الزمن تحتاج هي الأخرى إلى زمن.

الحق أن وهن النفوس ويأسها في الكفاحات الكبرى أمرٌ طبيعي، كما أن قوة النفوس والاحتفاظ بآمالها وتمردها هو الآخر أمرٌ طبيعي، ونحن نميل إلى هذا الحكم الأخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close