مقالات الرأي

مبررات عودة العلاقات العربية مع النظام السوري

يُعدّ افتتاح سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في دمشق فعلًا سياسيًا طبيعيًا، للمراقب السياسي العقلاني والمتابع للقضايا السياسية العربية والإقليمية في المنطقة، وقد جاء تتويجًا لخطوات عسكرية وسياسية ذات بعد دولي وإقليمي، تمثلت في وقف الدعم العسكري والمالي لمعظم الفصائل العسكرية السورية المعارضة للنظام السوري، والضغط عليها باتجاه المصالحات والتسويات مع النظام، برعاية روسية وتنسيق أميركي وإسرائيلي غير معلن، إضافة إلى التنسيق مع دول الخليج العربي والأردن، من خلال عودة سلطة النظام السوري إلى الغوطة الشرقية والجنوب السوري (درعا والقنيطرة)، وعودة قوات النظام السوري إلى الحدود مع “إسرائيل” بموافقة الأخيرة الصريحة، شرط ابتعاد القوات الإيرانية من الحدود مسافة 40 كم، وكذلك إلى انسحاب المجموعات السورية المسلحة الرافضة التسويات إلى الشمال السوري، وبالتالي التوجه نحو إنهاء العمل العسكري في سورية لصالح العمل السياسي.

عبّر وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة أنور قراقاش عن ذلك التوجه، بالقول: “إن القرار -افتتاح السفارة- يأتي بعد قراءة متأنية للتطورات، ووليد قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلب الحضور والتواصل العربي مع الملف السوري، حرصًا على سورية وشعبها وسيادتها ووحدة أراضيه”.

المؤشرات الدالة إلى انتهاء الحرب في سورية والتوجه إلى الحل السياسي متعددة ومتداخلة، ومن أهمها الآتي:

1- الطلب الأميركي، على لسان رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، من السعودية تمويل إعادة الاعمار في سورية، وعدم رفض الأخيرة لهذا الطلب.

2- زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، حاملًا رسائل عربية وخليجية إلى النظام السوري، تتضمن قدوم معظم قادة الدول العربية إلى دمشق مستقبلًا.

3- القرار الأميركي بالانسحاب العسكري من شرق الفرات، والحديث عن تواجد قوات مصرية وإماراتية في المنطقة، ووقف العملية العسكرية التركية في شرق الفرات ضد قوات (قسد) الكردية، والحديث عن انسحاب فصائل (الجيش الحر) من محيطها.

4- التنسيق الروسي – التركي، بخصوص تخفيض التصعيد العسكري في الشمال السوري، والعمل على تنفيذ مخرجات مؤتمرات أستانا الناتجة عن اجتماعات روسيا، تركيا وإيران.

مبررات العودة

مبررات عودة الأنظمة العربية، وبخاصة الخليجية، إلى النظام السوري قد تكون متعددة ومركبة، ولا يمكن الفصل بينها إلا عند الحديث عنها وتحليلها، وهنا نعرض الرئيسية منها:

الأول: الذي يتضمن ما جاء على لسان وزير خارجية الإمارات، تحت عنوان مواجهة واحتواء النفوذ الإيراني والتركي في سورية، وخاصة في مرحلة الحل السياسي، وما يتبعه من إعادة الإعمار.

من المعروف أن العلاقة بين النظامين السوري والإيراني قديمة جدًا، تعود إلى تاريخ وصول الخميني إلى السلطة في إيران عام 1979، ووقوف النظام السوري إلى جانب النظام الإيراني في حربه ضد العراق، واحتلاله للجزر العربية الإمارتية الثلاث، والسماح للنظام الإيراني بالتغول في العراق ولبنان، والسيطرة على القرار السياسي في البلدين، عبر ميليشيات عسكرية شيعية تُموّل وتُقاتل بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، وتوثقت العلاقة بين النظاميين السوري والإيراني، بعد الثورة السورية 2011، ووقوف النظام الإيراني وميليشياته العسكرية الشيعية المحلية إلى جانب النظام السوري، التي كان لها دور كبير في عدم سقوطه، وتغلغل النفوذ الإيراني في المؤسسات السورية كافة (العسكرية، الاقتصادية، التعليمية، الثقافية والتعليمية) حيث أصبح من المستحيل الحد من هذا النفوذ، دون انهيار أحد النظامين السوري والإيراني.

الثاني: الحديث عن تعديل وتغيير السلوك السياسي للنظام السوري، وهذا وهم سياسي حقيقي ينم عن غباء سياسي دبلوماسي مقصود، فمن غير المعقول الطلب من النظام السوري الذي دمّر أغلب المدن السورية، وقتل نحو مليون مواطن وهجّر نصف السكان… الخ، وقام بالتغيير الديموغرافي لمصلحة النظام الإيراني كي يبقى على رأس السلطة، أن يُعدّل سلوكه السياسي على الصعيد الوطني والعربي، من خلال افتتاح السفارات والتطبيع السياسي معه.

الثالث: الحديث عن توافق روسي – أميركي، يتم من خلاله توزيع الكعكة السورية (إعادة الإعمار) من خلال النفوذ التركي – القطري في الشمال السوري، والنفوذ الأردني – الإسرائيلي، في الجنوب السوري، والسعودية والإمارات وبقية دول الخليج العربي في دمشق، بإشراف روسي – أميركي.

الرابع: مواجهة واحتواء النفوذ التركي في الشمال، وهذا ما أسعد النظام السوري وإيران معًا، استنادًا إلى السياسية التركية في مرحلة أردوغان بالتحديد، التي تتطلع إلى دور وزعامة إقليمية للدول الإسلامية (السنية) على حساب السعودية والإمارات ومصر، خاصة أن هناك معلومات تشير إلى وجود قوات مصرية وإماراتية في منبج. إضافة إلى المخاوف من “الأطماع” التركية في سورية، وإمكانية القيام بدور رئيس في رسم ملامح سورية السياسية والاقتصادية ما بعد الحرب، خاصة أن مخرجات مؤتمرات أستانا بالرعاية الثلاثية (روسيا وتركيا وإيران) في خفض التصعيد العسكري في الشمال مستمرّة حتى الوقت الحالي إلى حد ما.

الخامس: أن يكون لدول الخليج العربي الدور الرئيس في توظيف مواردها المالية في إعادة الاعمار، بما تملكه من فوائض مالية واقتصادية ناتجة من قطاع البترول، بعد أن تم وقف توظيفها في تسليح ودعم بعض الفصائل العسكرية المعارضة للنظام السوري، في السنوات السبع السابقة.

أخيرًا، لا شك في أن وراء عودة العلاقات السياسية للأنظمة العربية مع النظام السوري مبررات عديدة ومركبة، قد يتم توظيفها سياسيًا من قبل النظام السوري، على أنه كان المحق في حربه على الإرهاب في سورية، كما كان يزعم، ويعدّ ذلك هزيمة لرهانات بعض الأنظمة العربية على إسقاط النظام السوري، إضافة إلى تكريس انتصار النظام السوري على الشعب السوري، ومنحه قوة إضافية في مواجهة النفوذ التركي المتمثل في دعم بعض الفصائل العسكرية المعارضة في الشمال، ومن مؤشرات ذلك وقف عمليات تحرير منبج، وانسحاب الفصائل السورية المعارضة من محيط منبج.

أما الخاسر الأكبر فهو المعارضة السياسية السورية التي راهنت على الدعم السياسي، من قبل بعض الأنظمة العربية، التي تبقى شقيقة للنظام السوري، مهما حصل من خلافات بينهما، خاصة في تضامنها ضد الحريات وحقوق الإنسان للشعوب العربية، فمن الوهم الاعتقاد أن خلاف اللصوص على تقاسم المسروقات يمكن أن يجعل بعضَهم شريفًا وصديقًا للشعب السوري، في مطالبه بالحرية والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق