سلايدرقضايا المجتمع

القضايا الإنسانية في مقدمة أولويات العام الجديد

انقضى عام جديد من دون أن نتمكن من تلمس ملامح مستقبل سورية، بيد أن جميع المؤشرات الحالية تؤكد على تحوله إلى موضوع مساومات بين دول العالم، وخصوصًا تلك المنخرطة في الشأن السوري، في حين بات الدور السوري، بشقيه المعارض والرسمي، ثانويًا وهامشيًا، في تحديد هذا المستقبل. سواء في ما يتعلق بشكل الحل السياسي، والمرحلة الانتقالية، واللجنة الدستورية، أم بالقضايا الاقتصادية، كإعادة الإعمار والنظام الاقتصادي، أم بالقضايا الإنسانية الملحّة، مثل أوضاع اللاجئين السوريين، في دول الجوار وفي المناطق الحدودية السورية، وفي قضية المعتقلين والمختفين قسريًا.

ونظرًا إلى ضخامة وصعوبة حلّ جميع ملفات القضية السورية، نتيجة تعّقد الأوضاع، وتداخل المصالح الدولية، ومحدودية الدور السوري، سواء الشعبي أم المنظم، نعتقد أن التركيز في المرحلة المقبلة على الملفات والقضايا الإنسانية الملحة، قد يمكن الشعب السوري من ضرب عصفورين بحجر واحد: الأول يتمثل في استعادة دور الشعب السوري في صياغة مستقبله، ومستقبل وطنه المحتل والمسلوب من قبل جميع قوى التدخل الخارجي والاستبداد والإجرام الداخلي، وعلى رأسها النظام الحاكم، من بوابة قضايا موحدة يجتمع على أهميتها، وعلى مقومات حلها، طيفٌ واسع من السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والإثنية والسياسية والأيديولوجية؛ وهو ما نفتقده كثيرًا في مجمل القضايا غير الإنسانية، وخصوصًا السياسية. أما المكسب الثاني فهو الانتهاء من أحد أهم مصادر الشقاء السوري، في حال نجاح الحراك الشعبي في فرض الحلول التي تكفل حقوق المدنيين السوريين أينما كانوا، من حقوق المعتقلين والمغيبين قسريًا، إلى جميع المدنيين القاطنيين في مناطق النظام أو المعارضة، أو في مناطق سيطرة (وحدات الحماية الكردية)، واللاجئين في المخيمات داخل سورية، وعلى الحدود التركية كمخيم دير بلوط، أو في مخيمات الجوار السوري في لبنان والأردن وتركيا، الذين يواجهون أقسى الظروف المعيشية، ويتعرضون لأنواع شتى من الابتزاز السياسي والإنساني، والتهديد بتسليمهم لنظام الأسد، كما حصل ويحصل في لبنان، وكما يتم التلويح به في الأردن مؤخرًا.

نلاحظ، من خلال التدقيق في ممارسات مجمل القوى الفاعلة في سورية، من قوى الأسد إلى المعارضة السورية المسلحة مرورًا بـ “قوات الحماية الكردية”، والقوى الطائفية والرجعية المحسوبة على كلا الطرفين، إلى قوى الاحتلال الخارجي من روسيا وإيران وتركيا و”إسرائيل” وبدرجة أقلّ قوات التحالف الدولي، أنهم لا يكترثون بمصير الشعب السوري أو بأبسط حقوق المدنيين السوريين؛ ابتداء بحقهم في الحياة الذي هددته نيرانهم المجنونة، على مدار العام المنصرم وما سبقه، وليس انتهاءً بحقوقهم في ضمان حياة كريمة، وتأمين جميع مستلزمات الحياة، من المؤن والطبابة والخدمات البسيطة والأساسية غير المتوفرة في مخيمات اللاجئين، ولا في البلدات والمدن والقرى المحاصرة، من شرق سورية إلى غربها؛ فضلًا عن انتهاك حرية سورية والسوريين بالممارسات الاحتلالية، والصمت المطلق والدائم، والتشجيع المضمر على جميع حملات الانتهاكات والاعتقال التعسفية بحق الناشطين والإعلاميين وأصحاب الرأي.

وعلى ذلك؛ فإن هذه الانتهاكات تهدد حياة معظم السوريين ومستقبلهم، تهديدًا مباشرًا أو غير مباشر؛ إذ يصعب العثور على عائلة سورية لم يذق أحد أفرادها إحدى هذه الويلات؛ فضلًا عن احتمالات تعرض آخرين لها في المستقبل القريب، وهو ما يجعل منها قضايا سورية جامعة، لا تفرق بين فئة وأخرى، بعيدًا من التقسيمات الدخيلة على المجتمع السوري، التي فرضتها القوى الداخلية والخارجية التي تحتل سورية اليوم، وخصوصًا العرقية والإثنية. كما يمكن اصطفاء وسائل ضغط شعبي بسيطة ومتعددة، بغض النظر عن أماكن السوريين، وعن القوى والجهات المسيطرة عليها، وبالحد الأدنى من المخاطر على جميع المشاركين. لكن يبقى التحدي الأكبر، أمام هذا النوع من النشاط والنضال، متمثلًا في القدرة على الوقوف موقفًا واحدًا، من جميع القوى المنتهكة لحقوق السوريين، بغض النظر عن الاصطفافات السياسية والعرقية والإثنية، أو عن الأهواء السياسية والمصالح الاقتصادية الفردية الضيقة.

إنه في الحقيقة تحد كبير وصعب، لأنه يُعيدنا إلى أحد أهم الأسباب التي أوصلتنا إلى الوضع الراهن، أي يضعنا في مواجهة العصابات التابعة للخارج، سواء المسلحة أو السياسية والإعلامية، قبل أن يضعنا في مواجهة القوى الخارجية ذاتها، وبالتالي فهي مواجهة مركبة ومتعددة، تمس مصالح جميع القوى المحتلة والمتدخلة في الشأن السوري، كما تمس مصالح أدواتها المحلية، وعلى رأسها النظام السوري ذاته، وهو ما يفسر إصرارهم جميعًا على تجاهل جميع هذه القضايا والملفات وتأجيلها تباعًا، على الرغم من إلحاحها وضرورة المسارعة في حلها، وعلى الرغم من قدرتها على دفع مسار الحل السوري قدمًا وتباعًا. فالثورة -من مهدها- كانت تعبيرًا عن توق السوريين لنيل حقوقهم وحريتهم المسلوبة، لذا زادت قوة وشراسة الحركة الثورية كرد على جميع حملات الاعتقال والتنكيل بالمتظاهرين والمناطق التي شهدتها، وتجذرت الحركة الثورية، بعدما سقطت ورقة التوت عن النظام السوري، وفقد جزء كبير من السوريين ثقتهم بقدرة النظام على معالجة أخطاء الماضي والتأسيس لمستقبل وطني أفضل للجميع، نتيجة إمعان النظام في قتل المدنيين المتظاهرين من درعا إلى حمص وحماة ودير الزور ودمشق وريفها، وكل المدن والبلدات السورية.

وعلى الرغم من الغموض الذي يحيط مستقبل سورية ويكتنفه، وجميع الصعوبات والظروف القاسية التي يواجهها معظم السوريين اليوم؛ سوف تبقى جميع القضايا الإنسانية شوكة في حلق جميع قوى الاستبداد والإجرام والاحتلال، ولن تتمكن أي قوة من فرض سيطرتها على سورية وشعبها، من دون حلها؛ مهما أمعنوا في الظلم والقتل، كما سوف تبقى القضايا الإنسانية القاعدة الصلبة، وربما الوحيدة، التي تجمع السوريين، وتوحّدهم في نضال طويل وشاق سيفضي في نهايته إلى سورية التي نحلم بها، سورية العدالة والمساواة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، سورية المواطنة الكاملة والمتساوية في الحقوق والواجبات بعيدًا من أي تمايزات عرقية وإثنية وأيديولوجية وعقائدية، فهل نتمكن جميعًا من جعل عام 2019 عامًا لانتزاع بعض الحقوق السورية المسلوبة، ومقدمةً لبناء سورية التي نريد.

(*) الصورة: الشبكة السورية لحقوق الإنسان

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق