هموم ثقافية

المدينة التي سرقت لغتي

تتفنن دمشق في ابتكار حريتها، تتقاسم فيها الوجوه البلادة والجنون، كما تتقاسم شوارعها الليل والنهار.

“إننا لا نصبح مجانين برغبتنا”.. هذا ما قاله فرانسوا لابلانتين، محاولًا تقصي ومعرفة أسباب الجنون الذي هو خط الدفاع الأخير عن قلعة القلب.

ما إن تطأ كراجات العباسيين بقدميك، حتى تتولى دمشقُ، مثل قابلة محترفة، تنظيفَك من شغفك الأولي ودهشتك البدائية، ثم تطلب منك -مثل أي قابلة معطوبة الرحم- أن تناديها: أمي الثانية. المدينة التي تخفي تحت لامبالاتها، وبلادة حيطانها كل مظاهر القسوة؛ ستتولى تحويلك مع الوقت إلى مجنون.

ألم تُثر روما جنون نيرون، فأحرقها، وجلس يراقب التهام النار لها، كي يبني قصرًا ضخمًا على أنقاضها!

لا شيء يحرض الجنون مثل المدن الكئيبة، المدن التي تنبت لجدرانها آذان، حيث يصبح الحب ممنوعًا، وتمتلك الكراهية عينين وقدمين وتغني بصوت عالٍ، يمكن للمدن المقهورة أن تتسامح مع الكراهية ولا يمكن لها احتمال الحب.

لم أعرف ما كان عليّ فعله، حين اقترب مني رجل يضع نظارة ويرتدي معطفًا طويلًا، وحذّرني بصوت مرتعش من الشرطة السرية التي تحيط بنا. تراجعت فطلب مني أن لا أخاف. نزع النظارة، وشرح لي بأننا محاطون بعملاء (إف بي آي، وكائنات فضائية مقنّعة)، وأشار نحو الرصيف المقابل الذي يتقاسمه باعة دخان، وبسطات أحذية وألعاب صينية وكُتب، ابتعدت قدر الإمكان وتركت مسافة أمان بيني وبينه، وركضت من دون أن التفت.

في شارع ضيق من شوارع دمشق، يمكن أن تباغتك امرأة تمسك بك من كتفيك، تصفع وجهك بيدها المليئة بالسخام، وتخبرك بأنك “ابنها، ناكر الجميل الذي ترك أمه وحيدة”! لا ترتعبْ! فقط اترك لها الوقت كي تنهي ألمها، ستحضنك وتبكي ثم تمضي. هل أنت مولع باللوحات المتحركة؟

لا تتكبد عناء الذهاب للمعارض الغبية، لفنانين مزيفين، يمكنك أن تتجه نحو جسر فكتوريا وتتأمل السيدة التي تتقلب بسخرية فوق فراش متسخ، بنظراتها الساخرة وعباراتها التي تذكّر بالماغوط. ويمكنك أن تسمي اللوحة “السيدة تحت الجسر“. يمكنك أن تتكرم -لو كنت فنانًا- برسمها، بدلًا من إجهاد مخيلتك المعطوبة في البحث عن رسومات تشكيلية وسريالية لا معنى لها. في الزمن الهارب من عقاله يبدو الجنون فعل التعقل الوحيد، في هذه المدينة التي تحيط بها الحرب إحاطة السوار بالمعصم، لا يمكن للمنطق إلا أن يبدو عاريًا كالملك؛ وعلى أحدهم أن يصرخ في وجه البلادة الهانئة والزيف المشلول.

إنني أتقيأ اللغة فقد جعلوني ابتلع السمّ“. هذا ما رواه لي أحد المجانين قبل أن يتابع: لها رائحة سمك. اقترب مني ونفخ في وجهي ليؤكد صدقه. مجنون آخر أخبرني أنه ترامب، وهو يتنكر في هيئة مجنون كي يحصل على معلومات. في مقهى الهافانا، عكرّ احتسائي قهوتي رجلٌ اعتقد أني حبيبته التي ينتظرها منذ ثلاث ساعات. النادل همس وهو يتظاهر بمسح الطاولة: إنه مجرد مجنون فقد زوجته وأطفاله في الحرب. خلفه مباشرة في الأعلى شاشة تلفاز تبث نشرة الأخبار. الأخبار كلها تؤكد أن المجانين خارج المصحات هم أخطر وأسوأ الأنواع.

شربت فنجاني دفعة واحدة وخرجت، ربما سيظهر لي أحدهم وهو يجر أسماله ليخبرني أنه الملك لير! ثم يحدثني عن الندم ومعرفة الذات، لكن حدث ما هو أسوأ، فبدلًا من ذلك تلقيت موعظة دينية من سائق سيارة الأجرة، الذي شرح بأن العلاج في العودة إلى الله، سيارته تبدو كمقام ديني! تفوح منها رائحة عطر ثقيل، يبدو أنها تهبه السكينة التي يفتقدها، من يدري، ربما، وفي لحظة يأس يفعل فعلة الإمبراطور ميلينيك الثاني الذي كان يأكل صفحات من التوراة، كلما شعر باعتلال في صحته. وحين قرر الشفاء النهائي ابتلع فصلًا كاملًا من التوراة بعنوان “سفر الملوك” ما أدى إلى وفاته!

تسأل صديقتي التي اتصلت للاطمئنان على حالي، عما إذا استطعت أن أخرج الثلاجة من البيت. أجيبها بنعم، فتسأل: قبل أم بعد تهدمه؟

أنزل من السيارة وأركض نحو حافلة عمومية.. سائق الحافلة يخطب في الناس المختنقين بغاز ثاني أوكسيد الكربون، عن أنهم لا يحبون بعضهم كما يجب. هل هو شخص آخر هارب من مصح؟

ثمة فخ كبير تنصبه لك دمشق، لا يمكن للألفة أن تنبت هنا، فالألفة ثمنها باهظ.

المدن التي تغسل عنك ماء الرحم تهبك الجنون صافيًا ومقطرًا ودون سابق إنذار.

ذات صباح، سترتدي ثيابك، تتناول قطعة بسكويت مغمسة بالغّم، ستدق بقدميك الأرصفة لتبرهن أنك موجود، ستطمئن على هندامك في زجاج المحال. فجأة ترمي محفظتك وتخبر الناس بكل الأشياء المحبوسة هناك، في بئر عميق، ستصرخ بالكلمات التي قالها أحد المجانين “لقد أخذوا مني لغتي”. ستخبرهم بأنك الطفل الذي رأى الملك عاريًا، لكنه خاف أن يتكلم. سينكشف لك الوجه الحقيقي للمدينة.

تكاد تصل إلى البيت الذي اكتريته حديثًا في حي عشوائي يطفح بالأسى والفقر، تضيع فتسأل جيرانك في الحي عنه (عن بيتك الجديد) ينظر الجيران إليك بغرابة، فتشرح لهم بأنك مستأجر حديث، وأن هذه البيوت المتلاصقة متشابهة حد العدم، فيضاعف شرحك الشكوك.

تعثر أخيرًا على بيتك، وقبل الدرجة الأخيرة، تجد روحًا هائمة تنتظرك، إنه والدك “لقد سكبوا السم في أذني يا بنيّ”. تدرك أنه يقتبس من كتاب قرأته أول أمس، وأنك تدعى هاملت الذي قتل عمُّه والده وتزوج والدته. سيسألك جارك الذي يمارس هواية التلصص على حياتك: ما بال السحب تغشى محياك؟ ستصرخ -وأنت تغلق الباب بعنف- بعبارة قرأتها -أيضًا- أول أمس: “بل تغمرني الشمس بأكثر مما أطيق”.

* اللوحتان للفنان السوري نذير نبعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق