مقالات الرأي

إرهاب “النصرة” واستئصال الجذور

بعيدًا من النتائج المباشرة، لحرب (الجبهة الوطنية للتحرير) ضد (جبهة النصرة)، يبدو أن استحقاقات المرحلة المضطربة، في الشمال السوري، بدأت تعطي أكلها، خاصة أن الولايات المتحدة ضاعفت الإرباك الذي أحدثته بشأن سحب قواتها، بالإعلان مجددًا أنها سوف تبطئ تنفيذ قرارها، وما نجم عن ذلك من تطورات على الصعيدين الإقليمي والدولي، وانعكاساته على التعاون البيني في مسار أستانا، يضاف إلى ذلك تأجيل العملية العسكرية التي استغرقت تركيا في التحضير لها وقتًا طويلًا، واستعدادات عسكرية متكاملة، ضد ميليشيات “الاتحاد الديمقراطي” التي تحتل مناطق واسعة في الجزيرة السورية، ولاحقًا الدخول في عملية أخرى ضد (جبهة النصرة).

لا تلبث القوى المعنية بالحالة السورية أن تتوصل إلى إطار ما للاتفاق حول خطوة مرحلية، حتى تطويها التطورات المتوالدة على الأرض، ولكن تبقى -مع ذلك- الأسس العامة للتفاهمات إطارًا لاستراتيجيات التعاون المشترك، التي تبنى في سياقها التحالفات المؤقتة. اعتقدت موسكو أن خروج القوات الأميركية سوف يُحدث فراغًا في الشمال السوري، وسارعت إلى العمل مع أنقرة لإيجاد إطار للتعاون حول مستقبل المنطقة. ومع أن كلتا الدولتين تدرك جيدًا أن هذا الانسحاب هو جزئي، ولا يمكن أن يقود إلى فراغ ما، فإن ذلك سيبقى من مسؤولية الولايات المتحدة، والتحالف الدولي الذي سوف يوكل إلى تركيا مهمات أساسية في ملاحقة (داعش)، ولن يكون لروسيا أي دور ممكن في منطقة النفوذ الأميركي.

وعلى الرغم من توصّل وزيري خارجية تركيا وروسيا إلى اتفاق، حول تنسيق العمليات العسكرية البرية الشمال السوري ومحاربة الإرهاب، فإن ذلك الاتفاق لا يشمل شرق الفرات، كما أنه لا يتضمن العملية التركية العسكرية ضد ميليشيات (قسد)، فهذه المسألة مرتهنة بتطورات العلاقات بين البيت الأبيض والرئيس التركي من جهة، وبين إدارة ترامب وصنّاع القرار في الكونغرس والبنتاغون و(سي آي إيه). وهي -كما يبدو- بالغة التعقيد ومربكة، كما أشرت آنفًا، وتُبقي الجميع رهن الترقب والمراجعة، والاستعداد أيضًا.

لقاء موسكو، السبت الماضي، هو تعزيز للأطر التي اتُّفق عليها خلال الجولات السابقة من مفاوضات أستانا، وخاصة الاتفاق الأساسي بشأن إدلب الذي بدأ سريان مفعوله في الخامس عشر من أكتوبر الماضي، ولا تزال هناك عقبات تحول دون تطبيقه بالكامل، يمكننا تلخيصها بثلاث نقاط أساسية: استمرار خرق النظام الأسدي لاتفاق التهدئة، وتمسّك “جبهة النصرة” ببعض المناطق التي يفترض أن تؤول منزوعة السلاح، ما يعوق فتح الطريق الدولي أمام الحركة العامة. وثالثًا: انتشار السلاح في المنطقة خارج الفصائل المسلحة.

مهّد اجتماع موسكو لإحياء ما تبقى من اتفاق أستانا، بشأن (هيئة تحرير الشام) التي أدرجتها تركيا، في آب/ أغسطس الماضي، في قائمة المنظمات الإرهابية. وفي غير مرة لم تصل المفاوضات مع (جبهة النصرة) إلى التزام حاسم، للتراجع والانكفاء، بما يقود إلى تفكيكها، أو إذابتها في مكونات عسكرية تشرف عليها تركيا، مثل (الجبهة الوطنية للتحرير). لا تريد (النصرة) أن تطوي أشرعتها في مواجهة الريح، بل على العكس من ذلك، تعمل باضطراد على تعزيز وجودها وتمددها داخل المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة السورية، وتقوم بأعمال عسكرية ضد المدن والقرى والبلدات، ويذهب ضحيتها المدنيون. وفي الإطار العام، أضحت عقبة كأداء في مواجهة تنفيذ أي اتفاق بشأن الوضع في الشمال السوري.

(جبهة النصرة)، أو (هيئة تحرير الشام)، عرّضت المناطق التي تسيطر عليها لعمليات قصف جوي مكثف من النظام والروس، اللذين يتخذان وجودها في المناطق الشمالية ذريعةً لاستمرار انتهاك خفض تصعيد التوتر ووقف إطلاق النار. النظام والقوات الروسية لديهما استراتيجية مكشوفة لاستعادة السيطرة على جميع المناطق السورية، لكن وجود (النصرة) كتنظيم إرهابي، يمنحهما سببًا إضافيًا. ووفقًا لاتفاقات أستانا، فإن استيعاب (النصرة) والفصائل الأخرى يقع على عاتق الضامن التركي الشريك في أستانا.

عجلة الأحداث تدور بسرعة طاحنة، مع التقلبات والتغيرات الواسعة في المنطقة، العملية العسكرية/ الحرب التي بدأتها (الجبهة الوطنية للتحرير) ضد (النصرة)، بعد عدوانها على دارة عزة، وارتكابها جرائم حرب جديدة، تبدو في سياق الاتفاق التركي – الروسي: السعي لحل معضلة (جبهة النصرة) المزمنة، التي لم يتمكن أحد من إيجاد وسيلة للتفاهم معها. لا تريد (النصرة) أي حلّ يقلل من حجمها أو دورها، مهما كانت الدوافع، بما فيها الحفاظ على المنطقة بعيدًا من الحل الروسي المُدمِّر. في ما سبق، أوقفت التدخلات الإقليمية والدولية عملية روسية لاستئصال (النصرة)، التنظيم الإرهابي الذي اختبأ خلف أصوات المدنيين المناهضين للحرب، والمناهضين لـ (النصرة) وأخواتها، ثم انقضت عليهم بعد انكفاء الخطر المباشر.

لقد أدى تأجيل أنقرة للعملية العسكرية شرق الفرات، إلى التعجيل بمواجهة (النصرة)، بعد أن تمت تعبئة الرأي العام، واستنفار الفصائل والقوى المسلحة، ورفعت جاهزيتها القتالية لمواجهة ميليشيات صالح مسلم الإرهابية. إن تطورات الملف الأميركي في سورية جعلت من إعادة توجيه البندقية نحو (النصرة) ممكنًا إلى درجة الضرورة أيضًا.

لقد احتلت (النصرة) مناطق المدنيين، وأقامت مراكز تواجدها المسلح بينهم، وعرضتهم لمخاطر الموت والدمار، وحكمتها بقوة السلاح، لاحقت الناشطين المدنيين، واعتقلت من اعتقلت، وقتلت من قتلت، منذ نشأتها حتى اليوم. ولم يعد النظام الأسدي هدف أنشطتها المسلحة، بقدر ما أصبحت فكرة “الحُكم” مرتبطة بذهنية قادتها الذين قاموا بكل ما يهدم الثورة السورية، ويسيئ إليها.

مرة أخرى: (النصرة) والاتحاد الديمقراطي وأذرعه وأدواته، هي تنظيمات إرهابية، رديفة للنظام الأسدي المجرم، بما فعلته ضد الشعب السوري، خلال السنوات الماضية. والخلاص منهما هو تعزيز لثورة الحرية، وتصويبٌ لمساراتها، ونحن ندخل عامًا جديدًا في فصول المحنة السورية المريرة! وإن إزاحتهما وتحجيمهما ومنع مخاطرهما تستوجب أولًا قطع كل أشكال الدعم المادي: المال والسلاح، وتجفيف المنابع لاستئصال الجذور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق