أبحاث ودراساتسلايدر

الهزيمة المرّة والثورة القادمة

لم يكن ليخطر ببال كثير من السوريين أن هزيمة الثورة ممكنةً؛ حيث كانوا يظنون أن ما حدث في تونس ومصر سيتكرّر في سورية لا محالة، أي سيزول النظام. غير أن هناك من خالف هذه الرؤية، ومنهم الروائي مصطفى خليفة، حيث كتب في عام 2012 مقالًا بعنوان (ماذا لو انتصر بشار الأسد). ولا شك في أن للروائي حسّه التاريخي، وقدرته على تجاوز اللحظة الراهنة والحدس بالمستقبل، إضافة إلى خبرة خليفة السياسية وسجنه الطويل. وعلى الرغم من ذلك لم يكن في ذهن خليفة ذاته أن النظام سيَخسر بدوره، ولولا الإيرانيون والروس بالتحديد؛ لما عاد من رحلة جهنم التي كاد يصل إليها. الحصيلة أن روسيا أصبحت محتلة لسورية، والمعارضة لم يعد لديها حاملٌ اجتماعي يبرّر وجودها، والسوريون بين مُهجّر وصامت ومقتول، أو في طريقه إلى القتل، وهناك أكثر من عشرة ملايين مهّجر، وأكثر من مليونين بين مقتول وجريح ومعتقل ومفقود. كلفةٌ بشريّةٌ مَهولة لشعب أراد الانتقال الديمقراطي وتحسين مختلف أوجه حياته، فإذا به أمام تدخلٍ إقليمي ودولي واسع في بلاده، وبالنهاية عدة احتلالات على بلده، وتتميّز منها روسيا، بكونها تمسك معظم خيوط تلك الاحتلالات والنظام، وهناك رأيٌ سائدٌ يرى أن الاحتلالات ذاتها سلّمت الروسَ إدارةَ المسألة السورية!

طوباويون ولكن:

يحب بعض المثقفين تجاهل الواقع، ورفض واقعة الهزيمة، ويُبرّرون موقفهم “الطوباوي”، بأن نتائج الثورة لا تظهر سريعًا لأصحاب النَفَس القصير، ولا يمكن إعادة التاريخ إلى الوراء، وأن الصيرورة نحو الأمام لا محالة، وهناك من يقول إن الغباء الروسي لن يصل إلى إعادة إنتاج النظام كما هو، ورفض كل المحاولات الإقليمية والدولية القائلة للروس: “إن سورية لكم، ولكن عليكم إجراء تغييرات كبيرة في النظام وتحديدِ زمنٍ لرحيل الأسد، ودون ذلك ليس من أموال لإعادة الإعمار”. وبذلك؛ وفقًا لرأي طوباويينا، فإن هناك تغييرًا قادمًا، وليس من الصحيح القول إن الهزيمة حدثت وانقضت! ربما يحصل فعلًا تغييرٌ ما في النظام، وذلك استجابة للضغوط الخارجية، ومن أجل تحقيق بيئة سياسية هامشية، تسمح بتدفق الأموال وإعادة اللاجئين وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع نظامٍ سَلّمَ بلاده للاحتلالات الخارجية. أقول ربما يحصل ذلك، ولكن هل يعني هذا أن الثورة انتصرت، أو لم تُهزَم، وتحققت بعض من أهدافها؟ المسألة ليست بسيطة على الإطلاق، ولكن الحقيقة تقول إن أهداف الثورة، في تحسين حياة الأغلبية من السوريين، لن تتحقّق! فلن تكون هناك فرصُ عمل حقيقية “تطور صناعي أو زراعي”، ولن يكون هناك نقلة في السياسة نحو الديمقراطية، حيث إن الاحتلالات الجاثمة على صدر السوريين تمنع ذلك، وستكون لها الأحقية في تقرير مصير السوريين، وبالتأكيد لن تبني سورية؛ فحجم الدمار “يُقدر بـ 400 مليار دولار”، وليس من احتلال يفكر في إعادة الإعمار. إذًا هناك أموال ستأتي وهناك مصالح ستتحقق، ولكن كل ذلك سيكون لخدمة تلك المصالح، وبالتالي سيدخل السوريون نفقًا جديدًا من الحرمان والمظلومية والإفقار والنهب المنظم. وهذا الوضع يدفع بعض الباحثين إلى القول إن ما ينتظر السوريين، نسخةٌ جديدة من (داعش)، حازم الأمين يكرّر ذلك.

جهادية جديدة كخيار وحيد:

الفكرة الأخيرة، ربما تجد مبرراتها من مآلات الوضع العراقي، حيث انتقلنا من مقاومة ضد الأميركيين بعد 2003، ثم تنظيم القاعدة بقيادة الزرقاوي، والحرب الطائفية الواسعة، ثم (داعش) أخيرًا. الأساس الذي يُنتج فكرة ظهور جهادية جديدة هو غياب مشروع وطني، وتطييف السياسة، واحتواء كل سياسة غير طائفية ضمن مشاريع الطائفية، وهو ما أسسه الاحتلال الأميركي للعراق في 2003 في زمن بريمر، حيث شَرّع تشكيل نظام حكم طائفي وفقًا للدستور. الإشكال هنا أن النظام استقدم الإيرانيين والروس، ولعب بورقة الطوائف لتحويل الثورة إلى طائفية ومجزرة ودمار كامل. أقول إن المعارضة السورية لم تكن أفضل حالًا من المعارضة العراقية التي أتت مع الأميركيين، ووافقت على التطييف الدستوري، ونُسجت بالطائفية كما النظام، وبالتالي لم تتبنَ مشروعًا وطنيًا، ينهض بسورية ويناقش المسألة الطائفية أو الأقليات أو هوية سورية أو السياسة بعامة من منظور وطني. ممارسات المعارضة الخاطئة يمكن رصدها من خلال محاولاتها المتكرّرة استدعاء الأميركيين خاصةً في 2011 و2012، وهناك من ذهب إلى “إسرائيل” ككمال اللبواني وآخرين، وذلك لإقامة علاقات جيدة معها، وتطمينها للمستقبل في حال انتصرت المعارضة، وربما لتأمين الدعم منها! هذه المعارضة لا ترى الثورة ولا أهدافها ولا قوة الشعب في إسقاط النظام، ولا تتبنى مشروعًا وطنيًا، وتعمل عكس ذلك، وهي تُكمِّل مشروع النظام في اللعب بورقة الطوائف والأقليات والأكثرية الدينية. أقول: إن النظام والمعارضة لم ينشغلا إلّا بقضية التأبّد في السلطة أو الوصول إليها؛ ومن أجل هدفهم المشترك هذا، ذهبا كلاهما إلى دعوة الاحتلال الخارجي. النظام أقام علاقات صحيحة وسلّم البلادَ، والمعارضة المُكرّسة لم تتنبه إلى التغيرات العالمية، وأن الدول العظمى لا تدعم ثورةً شعبية أو معارضة انتهازية وهزيلة، ولكنها تشكل تحالفًا دوليًا من أجل سياساتها، وتحديدًا محاربة الإرهاب، وتدعم تنظيمًا يريد التحكم في جزء من سورية (ب ي د) يكون أداتها للتفاوض مع روسيا وتركيا وإيران! المعارضة السورية مُشكِلة كبرى أمام الثورة، وسنرى آثارها في المستقبل، حينما تلتحق أقسام منها بالروس وما سيقررونه لسورية من نظامِ حكمٍ يناسب مصالحهم، وسيكون الأمر قسمة ضيزى، بين تلك الدول، لمصلحة الروس، لا لمصلحة الشعب.

ثورة ومعارضة:

الشعب الذي حُرِمَ، طوال أكثر من خمسين عامًا، من ممارسة حقوقه وحرياته، وقام بثورةٍ في إطار تحركٍ ثوري عربي، بسبب مظالم متعددة أحاقت به نتيجة سياسات ليبرالية إفقارية اعتمدها النظام بعد عام 2000 كسياسة عامة، وبسبب القمع المنهجي منذ السبعينيات، وانخرط فيها لأسبابٍ متعددة، وهناك دينامية الثورة ذاتها، حيث تتالت المدن والبلدات والقرى والأحياء بالتظاهر؛ أقول إن هذا الشعب لم يكن بمقدوره الانتقال إلى تنظيم حراكه بشكل منضبط، ولا طرح برنامج وطني واعتماده كاملًا. وعلى ذلك؛ سادت الفوضى والتشتت والتجريبية، ولم تستطع التنسيقيات أو فصائل (الجيش الحر) أو المجالس المحلية تنظيمَ الثورة. وفي هذا المناخ تقدّمت المعارضة، وشكلت المجلس الوطني وهيئة التنسيق الوطنية، وصادرت القرار السياسي للثورة. هذه كانت أول هزيمة للثورة، وليس كما قيل إنها أول المؤسسات السياسية للثورة. إن ممارسات هذه الهيئات تُوضح أنّها لم تنشغل بمشكلات الثورة أو بتحديد رؤية النظام لكيفية احتوائها وتفكيكها والرد عليها، وانشغلت بكيفية إقامة علاقات عربية ودولية، من أجل الوصول إلى السلطة بأيّ طريقة، ونضيف أن سرعة خروج قيادات متعددة من المعارضة إلى خارج سورية، ودعوة الناشطين للفعل ذاته، كان المؤشر الأوضح للاعتماد على الخارج، في التدخل وإسقاط النظام.

إن مصادرة المعارضة للثورة، والتحدّث باسمها وتمثيلها والمساومة من خلالها، كانت أكبر كارثة حلّت بالثورة، وسهّلت للنظام اعتماد سياسات الاعتقال والتطييف والدمار، واستدعاء الخارج لجعل الثورة مجزرة كارثية وسحقها.

لن أكرّر القول إن ما حدث من اعتقال طال أكثر من نصف مليون، ودمار وتهجير وتغيير ديموغرافي وسواه كثير، فهذا أصبح بحكم المعروف؛ وفكرتي هنا أن هذه الوقائع الكارثية تعاكس كليًا الأحلام والأهداف والرؤى بسورية جديدة؛ غياب فكرة السياسة أو الحقوق، واستمرار القمع ذاته ومجيء الاحتلالات، أشعرَ السوريين بالهزيمة المرّة، وسادت بسبب ذلك روح الإحباط والاكتئاب والعدمية والمشروع الشخصي، وهي صفات معظم الناشطين في الخارج، ودعَمَ ذلك سيطرة الفصائل الجهادية والسلفية، وكانت الحصيلة أننا هزمنا، ولم تعد الثورة ثورتنا، وأصبحت المعركة بين الفصائل  الإسلامية والنظام، وأن سورية أصبحت ساحة لصراعات الخارج. وإن ما حدث في إدلب مؤخرًا، يغيّر هذه الحقيقة؛ فإدلب الآن محكومة بالتوافق التركي الروسي.

السؤال التلقائي من فكرتنا السابقة: أين المعارضة التي صادرت الثورة؟ يرتبط هذا السؤال بحجم الهزيمة، التي تستدعي المكاشفة والنقد والنقض وتقديم البدائل والأجوبة عما حدث، ولماذا لم توضع خطط للمواجهة، وتسمح بالانتصار أو تخفيف الهزيمة؟

فشل مؤسسات المعارضة:

فشلَ المجلس الوطني، وفشل الائتلاف الوطني، وكذلك هيئة التفاوض بنسخيتها الأولى والثانية، واستُبدل مسارا أستانا وسوتشي، بمسار جنيف، وهناك لجنة الدستور ولجانٌ تشكلها روسيا تباعًا. مكونات المجلس من إعلان دمشق والإخوان وسواها من القوى لم تكتشف بعدُ حجم الهزيمة؛ أسوأ الجميع هم الإخوان المسلمون، فقد لعبوا دورًا خطيرًا في تشويه الثورة، ودفع المعارضة عبر المجلس الوطني ولاحقًا الائتلاف إلى الارتماء بأحضان التدخلات الخارجية، وسهّلوا مهمة تشكيل الفصائل الإسلامية، وشكلوا فصائل عسكرية تعمل لمصلحتهم “الدروع” ويدعمون فصائل أخرى. حركة الإخوان، بدلًا من الانخراط في المؤسسات السياسية المشكلة للمعارضة، قدّمت انتقامها من النظام، ورغبت في أن تكون في قيادة المعارضة وأن تحكم سورية مستقبلًا. هنا كارثة كبرى على مستقبل السياسة في سورية؛ فتنظيم الإخوان المُعتبر “مدنيًا وديمقراطيًا” لم يكن كذلك، ولم يتبنَّ الديمقراطية، ولم يساهم في إشادة حياة ديمقراطية في المعارضة، وبالتالي كان سهلًا عليه الانكفاء عن هذه المفاهيم، لجهة ممارسة السياسة، وفقًا للقرون الوسطى، أي أكثرية دينية وأقليات دينية ذميّة أو كافرة، ومن هنا ياتي رفضهم الحاسم لمفهوم المواطنة والعلمانية، وليس بسبب إلحادية الأخيرة، كما يدّعون، ومن هنا تشكيكهم الكامل في أي معارضٍ ليس “سنيًّا”؛ إذًا خدم الإخوان استراتيجية النظام في التطييف وتخويف الأقليات، ولم يحققوا للثورة أهدافها!

نعم، خسر الشعب ثورته ولم يحقق أهدافه، و”خانته” المعارضة، وسحقه النظام، وأصبحت الاحتلالات تجثم على بلده، وهناك اتفاقات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية تتيح للروس إحكام السيطرة على سورية، والمساومة مع بقية الاحتلالات، من أجل حصص لها فيها.

بمرارة الهزيمة نقول: إن سورية لم تعد للسوريين، وسورية التي حلم بها السوريون تستدعي مشروعًا وطنيًا جديدًا. أقصد أنه لم يعد ممكنًا القيام بأي عمل سياسي، قبل الانتهاء من فرض الاحتلال الروسي على كامل سورية، وكذلك قبل نهاية المساومات مع كل من تركيا وأميركا وإيران وبقية المحتلين والمتدخلين. إذًا، ربما لا جدوى حاليًا من التنطع للسياسة مجدّدًا، وقد انتهت الثورة، وضُرِبَ بعرض الحائط كل القرارات الدولية من أجل حكمٍ سياسي انتقالي من السلطة والمعارضة والمجتمع المدني، والبدء بمرحلة انتقالية وحلّ سياسي.

ما الممكن إذًا؟ ستلتحق أقسام من المعارضة بالسياسة الروسية، وسيساعدون في إعادة إنتاج النظام، وستبتعد أقسام من المعارضة عنها، ولن يعود معظم السوريين في الوقت الراهن، وستعود أقسام معينة فقط، وأغلبيتهم ممن هُجرَ إلى الدول المحيطة بسورية. النظام الذي سيتشكل لن يحقّق أي مطلبٍ للثورة، ولن يُحسّنَ من وضع الناس، وستكون سورية بلدًا مستباحًا للنهب من قبل الاحتلالات.

إذًا؛ ليس من عمل سياسي ممكن! نعم هكذا الأمر؛ ستكون هناك محاولات لإزعاج النظام، عبر دعاوى أمام القضاء الدولي لبعض قادته. فلتقل إذًا المعارضة للشعب إن هزيمةً تمّت لثورته ولها، وإن النظامَ أصبح أداة لتحقيق مصالح الاحتلالات الخارجية ولا سيما الروس. وفي المقابل -وهذا  أمرٌ استشرافي في سورية هذه- لن يكون من الممكن استمرار الاحتلال، فلعبة الاحتلال الحالية ستشكل نظامًا طائفيًا، وفيه مظالم طائفية أيضًا ولكل الطوائف، حيث سيرفض الروس إحداث تغييرات كبرى في الأمن والجيش بالتحديد، وهذا سيُفشل أي علاقة سليمة مع الشعب، الذي رأى أن كل كوارثه من هذه المؤسسات بالتحديد، وهي موصومة “بالعلوية”.

تأكيدي للهزيمة، آنفًا، لا يمنع من رؤية أسباب الاحتجاج في المستقبل، وهو ما لا يمكن التكهُّن بكيفية تشكله، أو زمن اندلاعه، أو حجمه، أو الفئات التي ستشارك فيه، أو نوعية الرد عليه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق