تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

المسار الوطني الديمقراطي بداية لخلاص الأكراد

صدمَ قرارُ ترامب الأخير بالانسحاب من سورية، قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وجعلها في حيرة من أمرها، وهي التي عملت نحو خمس سنوات تحت ظل الطائرات الأميركية في الحرب على تنظيم (داعش)، وهذه الصدمة دليل على ضحالة الفكر السياسي عند هذه القيادة، وخطئها في فهم وقراءة السياسة الدولية من جهة، وحقيقة الجغرافيا السياسية للمنطقة من جهة ثانية.

أوهمت القيادة الكردية نفسها بأنها حليف استراتيجي للولايات المتحدة، مقدّم على تركيا العضو في الناتو، والحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، وتجاهلت حقيقة أنها مجرّد أداة “وقتيّة” للحرب على (داعش)، بعد رفض فصائل المعارضة السورية شنّ حرب شاملة على (داعش) دون الأسد، باعتبارهما وجهين للإرهاب.

كما تجاهلت القيادة الكردية تخلّي الولايات المتحدة، منذ مدة قريبة، عن مسعود برزاني والأكراد في شمال العراق، بطريقة مُذلّة لزعيم كردي اعتقد -أيضًا- أنّ الأميركيين لن يخذلوه.

لا ينبغي لقرار ترامب أن يكونَ صادمًا، فهذا نهج الولايات المتحدة قبل ترامب، وليس أدلّ على ذلك من “اتفاق منبج” الذي تأخّر تنفيذه حتى الآن، فقد تعهّد به أوباما بالانسحاب قبل ترامب، وليس ثمّة أمرٌ جديد يستدعي هذه الصدمة، وليس التأخير في التنفيذ حبًا بالأكراد، إنما بسبب الملفات السياسية العالقة بين الولايات المتحدة وتركيا، هذه الملفات التي أصبحت تنفرج تباعًا واحدًا بعد آخر، وهنا يتّضح الخطأ الاستراتيجي للقيادة الكردية التي اعتقدت يومًا ما، أن علاقتها مع الولايات المتحدة أقوى من علاقة الأتراك بها.

مما يُؤسف عليه أن قيادة الحزب الكردي لم تتعلم، ولا يبدو -من خلال ممارساتها- أنّها سوف تتعلم شيئًا من مبادئ السياسة، إذ لم تستفد من تجربة بيع الأميركيين لهم، كما لم تستفد سابقًا من بيع الروس لهم في عفرين.

إنّ زيارة وفد كردي لباريس، للحصول على الحماية الفرنسية، وذهاب آخر إلى القاهرة للعب دور الوسيط عند النظام، أشبه بخطوات عرجاء في سباق المئة متر، فلا الفرنسيون قادرون على فعل شيء، ولا المصريون قادرون على إقناع النظام بتحقيق مكسب واحد للقيادة الكردية أو للشعب الكردي.

إن قرار ترامب الأخير أكّد حقيقة أنّ الخريطة الجغرافية، لأي منطقة كانت، لا يمكن أن تُرسم خلافًا لإرادة الدول الإقليمية لهذه المنطقة، ولا سيّما إذا كانت الدول الإقليمية الوازنة بثقل تركيا وإيران، وإلى حدٍّ ما العراق، فالكلّ يرفض إقامة فيدرالية كردية على أي جزء من الجغرافيا السورية؛ لأن ذلك يمس الأمن القومي لهذه الدول بشكل مباشر، وقابلية الحياة لهذه الفيدرالية -إن تمّت- غير ممكنة، في ظل الجغرافية السياسية الحالية التي قسّمت الأكراد بين عدة دول.

تعلّق كثيرٍ من القيادات الكردية بالحلم، من دون قراءة الواقع، سبّب خسارة مؤلمة للشعب الكردي، باعتباره مكونًا أصيلًا في هذه الجغرافيا، وله حقوق يجب أن يحصل عليها، وبدلًا من تحصيل الحقوق، أصبح الشعب الكردي ينظر إلى قياداته -نتيجة السياسات الخاطئة- بعين الريبة، ويجب على قيادة الشعب الكردي التي أوصلت القضية الكردية إلى هنا، الاعتذار للشعب الكردي، والانسحاب من المشهد السياسي، بعد أن ظهر عوار وفشل الطريق الثالث الذي سلكته، بداية انطلاق الثورة السورية.

عند المواجهة بين الاستبداد والثورة، لا يمكنك اختيار طريق ثالث، مهما كانت أخطاء الثورة، فالثورة -على علّاتها- تنقل البلاد في مرحلة ما بعد اندحار الاستبداد، إلى حالة ديمقراطية تحقق المكاسب للجميع، خلافًا للاستبداد الذي سيزداد غطرسة وجبروتًا حال انتصاره على الثورة.

ولم يعد أمام الكرد اليوم من طريق للخلاص إلا النّضال مع باقي مكونات الشّعب السّوري، من أجل مشروع وطني ديمقراطي جامع للسوريين، بعيدًا من الأعراق والمذاهب والديانات، وأجزم أنّه المشروع الوحيد الذي يحفظ للكرد وغيرهم حقوقهم السياسية وغيرها، والمشروع الوحيد القادر على إعادة الكرد إلى النسيج الوطني السوري، ولن يغني استجداء أميركا والروس شيئًا، كما لن تنفع الهرولة وراء فرنسا أو غيرها، فالحل يبدأ في سورية وعبر السوريين، بعيدًا من عتبات الاستبداد الذي قهر الكرد واستعبدهم وحرمهم أبسط حقوقهم، كما حرم واستعبد غيرهم من السوريين. فما رَفَضَ النظام إعطاءهم إيّاه، وهم في أوج قوّتهم، لن يعطيهم إيّاه وهم في أضعف حالاتهم، ولا سيما أنّ عوامل قوّته، وخصوصًا في ما يتعلّق بالورقة الكردية، كثيرة جدًا. فهل تستمر الأخطاء أم أننا سنشهد تحولًّا في نهج القيادة الكردية، نحو المسار الوطني الديمقراطي الذي دفع السّوريون أثمانًا باهظة للحصول عليه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق