مقالات الرأي

قتَلة الربيع العربي

لم يكن من قبيل الصدفة، وقد بدأ الانتقال من القول إلى الفعل، في إعادة تأهيل النظام الكيمياوي في سورية بدءًا بدول العالم العربي، أن يقول الأمين العام للجامعة العربية ووزير خارجية مصر السابق -في محاضرة له بجامعة القاهرة مؤخرًا عن تجربته دبلوماسيًا ووزيرًا- بالفم الملآن، ما كان كثير من عمداء الثورات المضادة ومحلليها الاستراتيجيين في العالم العربي يحجمون عن قوله حياء، أو خشية، أو، وهو الأرجح، خبثًا:

“هناك خطأ يجب أن نقف في وجهه ونقوّمه، موجودٌ حاليًا، أدى إلى انتشار موجات التطرف والإرهاب، وهو ما يسمى بثورات الربيع العربي”. ويضيف لمزيد من التوضيح: “إن تدمير الدول العربية وقتل مئات الآلاف من العرب لا يمكن أن يسمى ربيعًا عربيًا، فثورات الدول العربية لم تكن ربيعًا، بل كانت دمارًا، لكونها أدت إلى انتشار الإرهاب والتطرف”. وكذلك، لكي يبدو أكثر واقعية: “كان هناك حاجة إلى التغيير ليس في مصر ولكن في العالم العربي، وكان لا بد أن نسلم بها وندعمها ونعطيها الفرصة، ولكن المشكلة هي كيفية إدارة التغيير دون القتل وإهدار الدماء والمليارات، وهو ما حدث بالفعل”.

لنلاحظ أولًا أنه بهذه الصيغ: “ما يسمى بثورات الربيع العربي”؛ “ثورات الدول العربية”، ثم بعد تسجيل هذه الاختصارات -التي باتت أداة كل الناطقين باسم أو المدافعين عن الثورات المضادة في العالم العربي- في قفزه البهلواني فوق الوقائع والتاريخ والأشخاص والجماعات، لكي يؤكد الغاية التي يسعى إليها: مسؤولية الدمار، وقتل الآلاف من العرب تقع حصرًا على “ما يسمى” الربيع العربي. ينكر السيد الأمين العام تسمية ما حدث في عام 2011 بـ “ثورات الربيع العربي” لكي ينتقل فورًا إلى اعتبارها، بكل بساطة، “دمارًا” وسببًا في “انتشار الإرهاب والتطرف”. ولم يلاحظ سيادته، حين يستخدم تعبير “ثورات الدول العربية” أن الدول، عادة، لا تثور، وأن من ثار بالتالي لم يكن الدول العربية بل شعوبها، لتخليص هذه الدول من براثن النظم الاستبدادية على اختلافها التي كانت تهيمن عليها.  أما “الحاجة إلى التغيير” التي كان يجب التسليم بها ودعمها، فلا ضرورة لدى السيد الأمين العام أن يذكر لماذا تأخرت الاستجابة لهذه الحاجة عمليًا أكثر من ثلاثين عامًا على الأقل، ومن المسؤول، ودون أن يقول، ثانية، من الذي أدار طريقة الاستجابة لمطلب التغيير، ومن الذي مارس القتل ومن أهدر الدماء والمليارات!

وإذا لم يكن من الممكن لأحدٍ سليم العقل والوجدان عاش، منذ عام 2011 على الأقل، ما حدث في العالم العربي يومًا بعد يوم، إلا أن يتجاوز اختصارات السيد الأمين العام وأن يفهم أن المقصودَ بـ “الربيع العربي” على لسانه -وهو يختصر متجاهلًا الحقائق عامدًا متعمدًا- كان ملايين الذين خرجوا في تونس وليبيا ومصر واليمن وسورية يطالبون بالحرية وبالكرامة، فما القول بالنسبة إلى الذين عاشوا ورزحوا طوال النصف الثاني من القرن العشرين تحت حكم العسكر، أو شهدوا توالي الانقلابات العسكرية تحت مسميات مختلفة، تراوح بين الثورة والحركة التصحيحية وما أدت إليه من دمار اجتماعي وثقافي وسياسي حقيقي لم يشر إليه السيد الأمين العام، أو محاولات عدد من رؤساء “الجمهورية” خلال تلك الفترة توريث السلطة للأبناء، كما لو كانت بلد كل منهم مزرعة عائلية خاصة، كما حدث في سورية؟

نعلم أن الأمين العام للجامعة العربية لم يكن أول من يُجرِّمُ “الربيع العربي”، لكن لتجريمه، نظرًا إلى موقعه الوظيفي، دلالة خاصة. فقادة الثورة المضادة كانوا، بانقلاباتهم العسكرية خصوصًا، قد جرموه قبلَه بالفعل لا بالقول؛ وآخرون منهم لم يعدموا وسيلة إلا استخدموها للقضاء عليه. ولا يزال مثال سورية قائمًا أمام أعيننا. لكن موعد حصاد نتائج الثورات المضادة يبدو الآن، بعد ثمانية سنوات من الاعتقالات والتغييب القسري والقتل والتهجير، وبدء ما يسمى إعادة تأهيل القتلة على أيدي المحتل الأكبر وشركائه المتواطئين معه غربًا وشرقًا، كما لو أنه صار يبيح انطلاق الألسنة “الرسمية” كي تقول، صراحة وعلنًا، ما كان سادتها، أعداء الثورة، يفعلونه في الميدان، وفي مقدمتها أكثرها رمزية على صعيد التعميم، أي أمين عام جامعة الدول العربية!

لن يكون غريبًا، والحال هذه، أن يرمي مشروع قادة الثورة المضادة لعام 2019 إلى التكريس الرسمي لـ “نهاية الربيع العربي”، بعد تجريمه وتحميله مسؤولية الدمار الذي “أدى إليه في البلدان التي وقع فيها”. لكن العبرة -على كل حال- بالخواتيم كما يقال. والخواتيم لا تزال، أيًّا كانت المظاهر، مجرد رغبات لدى هؤلاء القادة تتلوها محاولاتهم التي تشارك فيها معظم القوى الدولية الفاعلة، والإقليمية، العربية وغير العربية، التي وقفت ضد ثورات الشعوب العربية، ودعمت -سياسيًا وماليًا وعسكريًا- الثورات المضادة. ذلك أنه لا يمكن بقرار ما -على الرغم من كل ما شهدناه ونشهده من محاولات الخنق والتخوين والتجريم بل الدفن- اعتبار الهزة السياسية والاجتماعية والثقافية التي حدثت في عام 2011 قد انتهت، ما دامت ارتداداتها لم تحدث بعد. وما مشروع التكريس المشار إليه إلا محاولة طمس ما لا يُطمَس من عدد مهم من الوقائع: أن ثورة الشعوب في العالم العربي ممكنة؛ أن هذه الثورات ليست مؤامرات خارجية بدليل أن “الخارج” المتهم بها هو من يدعم القضاء عليها؛ أن من قاموا بهذه الثورات على وعي بأن ما ارتكبوا من أخطاء كان نتيجة حرمانهم من ممارسة السياسة بمعناها النبيل، وهو الذي حال دون الوصول بثوراتهم إلى الهدف المنشود؛ أن مطالب الشعوب العربية خلال هذه الثورات، من تونس إلى سورية، كانت واحدة؛ أن من قاموا بالثورة في هذا البلد العربي أو ذاك كانوا يتابعون ما يجري في البلدان الأخرى، ويحاولون تجنب الأخطاء؛ أن الذين أسرعوا باللحاق بالثورات أو حاولوا ركوب قطاراتها، من المخضرمين في عالم السياسة والنضال، كانوا أحد فريقَين: إما فريق تخلى عنها لدى أولى عثراتها، وإما فريق عجز عن القيام بالمهمة التي تصدى لها حين التحاقه بها؛ أن الثورة ليست عملية انقلاب عسكري ينجح أو يفشل، بل هي عملية اجتماعية عميقة تستمر، ما استمرت الأسباب الداعية إليها، وهي أسباب تفاقمت اليوم بفعل الثورات المضادة، ومن ثمَّ فهي لا تزال راهنة أكثر من أي وقت مضى؛ أن انفجار الثورات لا يحدث بناء على قرار أو مرسوم، بل هو كالعاصفة تعلن عن نفسها حين تحدث، وتجرف كل ما يقف في طريقها بلا تمييز.

هذه الثورات، التي عرفت بثورات الربيع العربي، لم تنته بعد.. وهي لم تنته، لأنها لم تؤتِ أكلها المنتظر. ذلك أن خطأ أمين عام جامعة الدول العربية، في حديثه عنها وفي توصيفها، لا يكمن في اختصارات الاستغباء التي لجأ إليها فحسب، بل، خصوصًا، في استخدامه صيغة الماضي عن حدث لا يزال يتفاعل أمام عينَيه في طول العالم العربي وعرضه.

ومن الأجدر له ألا ينسى: يضحك كثيرًا من يضحكُ أخيرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق