مقالات الرأي

هل انتهى زمن الثورات؟

يصنّف البعض مصير ثورات الربيع العربي البائس، باعتباره دليلًا على نهاية زمن الثورات؟ ولا يرى آخرون غضاضة أو فرقًا في وصف حال الثورة السورية، بالسقوط والإسقاط أو الفشل والمؤامرة، سواء لأسباب داخلية وخارجية أو تأثير عوامل ذاتية أو موضوعية، فلا يهم ذلك بعد انكشاف التلاقي الكوني العجيب، للقضاء على الثورة الذي تجاوز تهديدات جدية بحرب عالمية شاملة، من جراء مواجهات عسكرية مباشرة على الأراضي السورية، بين قوى عظمى وإقليمية، ومحاور متصارعة من شرق وغرب، ومصالح متناقضة حتى ضمن المنظومة العربية نفسها، لكن كل تلك التناقضات صبّت، في نهاية المطاف، في تناسق غريب لتعويم نظام الأسد، ضد مصالح وإرادة الشعب السوري.

محاولات الالتفاف على الثورات وخطفها، أو تحويل مسارها، ليست حالة طارئة، وهي متكررة في التاريخ البشري، وتعرضت لها ثورات كبرى، لكن وجه الاستغراب، في ما حلّ بالثورة السورية، وقوعها في عصر الحريات والديمقراطيات المزعوم، مطلع القرن الحادي والعشرين، ثم التراجعات الدراماتيكية عن مواقف التأييد الدولية الواسعة التي حصلت عليها في بداياتها.

تتوق المجتمعات والشعوب إلى التغيير المستمر، وتنشد الحصول على ظروف حياة أفضل، وهي تنتفض وتثور في نهاية المطاف، عندما تصل قسوة الظروف إلى درجة غير قابلة للاحتمال، وتمتد الثورة إلى عالم الحيوان، كما في رواية جورج أورويل الرمزية الشهيرة (مزرعة الحيوان)، حيث تتفق الحيوانات على تنظيم صفوفها والقيام بثورة ضد مالك المزرعة الذي يستغلها، ويسيء معاملتها، وتطرده من المزرعة، ثم تسيطر عليها وتنظم أمورها بنفسها من دون الحاجة إلى الإنسان، لكن الحيوانات تنحرف بعد ذلك عن المبادئ التي اتفقت عليها في بداية الثورة، ثم تنشب الخلافات فيما بينها، مع سعيها لتصدير ثورتها إلى مزارع أخرى. ورائعة أورويل هي إسقاط مباشر على إرهاب الدولة والقمع السياسي، في عهد ستالين وما حل بالثورة الشيوعية من جراء ذلك.

تشهد المجتمعات والدول صراعات مستمرة، في مستويات مختلفة سياسية اقتصادية طبقية عرقية اجتماعية دينية ثقافية، ولتلافي وقوع صدامات عنيفة؛ تواكب الأنظمة الديمقراطية التطورات المتسارعة، وتواجه الأزمات الطارئة، وتقوم بامتصاصها وإيجاد الحلول لها؛ بغية الحفاظ على التوازن المجتمعي فيها، بينما تواجه الأنظمة الديكتاتورية الاحتجاجات الشعبية بعنف مباشر، ولا تقبل تقديم أي تنازل أو إجراء إصلاح حقيقي، لكونها تدرك أن ذلك يشكل بداية نهايتها.

بشّر فرانسيس فوكوياما، في كتابه (نهاية التاريخ)، بانتشار مبادئ الليبرالية الغربية، بعد سقوط منظومة الدول الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي، لكن ممارسات الديمقراطيات الغربية، فيما بعد، صدمت فوكوياما نفسه، بينما كرس نعوم تشومسكي إنتاجه لكشف زيف الأنظمة الغربية، وخصوصًا أميركا، وتكفي مراجعة عناوين كتبه لفهم ذلك مثل: سنة 501 الغزو مستمر، الربح مقدمًا على الشعب، ماذا يريد العم سام، السيطرة على الإعلام، قراصنة وأباطرة، من يحكم العالم الهيمنة أم البقاء؟ السعي الأميركي للسيطرة على العالم.

من يحكم العالم؟ هل هي أميركا بالفعل؟ أم هناك حكومة خفية تقود العالم؟ أم هي منظمات سرية ماسونية تتحرك في الخفاء، كما كتب كثيرون، وتم إدراج ذلك في سياق نظرية المؤامرة؟ وهل هو اليهودي العالمي، وفق عنوان كتاب هنري فورد الشهير؟ أم نحن مجرد أحجار على رقعة الشطرنج؟ أو أن الشيطان هو من يحكم العالم، كما جاء في عناوين كتب وليم غاري كار المثيرة؟

هل بتنا نعرف أخيرًا الأخ الأكبر الذي تنبأ به جورج أورويل، في روايته (1984) ذاك الذي يراقب البشر باستمرار في كل مكان، يحصي عليهم سكناتهم ويسيطر على تحركاتهم وعواطفهم وعقولهم؟ ويمنع أي احتمال لتفكيرهم بالتمرد، وعلى الرغم من انطباق صفات الأخ الأكبر على الأنظمة الشمولية؛ فإن الديمقراطيات الغربية نفسها تتعرض لنقد شديد، بأنها لا تعبر عن تمثيل شعبي حقيقي، وكان الأسوأ ما فعلته الأنظمة الغربية بتحالفها مع نظم دكتاتورية قمعية، ودعمها حكامًا طغاة من دول العالم الثالث، لضمان مصالحها على حساب الشعوب الأخرى، من دون الاكتراث بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لا يمكن للشعوب أن تيئس، وستبقى بانتظار خطابٍ حكيم، كذاك الذي تلاه الخنزير العجوز الحكيم “ميجر” في (مزرعة الحيوان) وأعلن فيه انطلاق ثورة بشرية، وفق مبادئ إنسانية شاملة، وهذه المرة مع ضمانات بعدم سرقتها وحرفها عن مسارها، ويبقى ذلك تحديًا إنسانيًا مفتوحًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق