تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“سورية كلها لك.. لقد انتهينا”… محاولة لتأهيل الأسد

جملةٌ قالها الرئيس الأميركي ترامب للرئيس التركي أردوغان، هكذا بكل بساطة، وكأن سورية مزرعة من مزارع “الكاوبوي” في تكساس، يتبرّع بها ترامب لمن يُحقق له مصالحه! جملة تختصر المشهد والكثير من الكلام، وتحمل في طياتها تساؤلات مرعبة، أولها مَن هؤلاء الذين يحكمون العالم؟ وما علاقتهم بالديمقراطية المزعومة التي يتغنون بها ليل نهار؟ وإذا كان هؤلاء يتصرفون وكأنهم يُديرون مزرعة يملكونها؛ فلا عتب على حكام دول العالم الثالث والمنطقة العربية، إن هم قتلوا نصف شعوبهم ودمّروا بلادهم ونكلوا بأهلها لتحقيق مصالحهم الشخصية، فكل شيء مسموح في قواميسهم التي بنيت على المصالح فحسب، ولا علاقة للقيم والأخلاق والمبادئ والقوانين التي صدع رؤوسنا بها هؤلاء، في إعلامهم وفي مؤسساتهم الدولية.

على الرغم من وضوح هذه الجملة، فإن القرار الذي رافقها بانسحاب كامل القوات الأميركية من سورية سبّب الكثير من الإرباك لأغلب الأطراف، وقد تجلى ذلك من خلال التصريحات المتضاربة التي أعقبت هذا القرار، فالجميع ادعى بأنه المنتصر، وأنه -بعضلاته المفتولة- أرغم الولايات المتحدة الأميركية -بقوتها وعظمتها- على الانسحاب من سورية! وبغض النظر عن التفسيرات التي أعقبت هذا القرار، وقد ركز معظمها على أن هذا القرار هو توريط لتركيا لاستنزافها ودق إسفين بينها وبين الروس والإيرانيين؛ فإن القرار يدلّ بوضوح على أن هناك صفقة اتُّفق عليها، بين الرؤساء الثلاثة: الأميركي والتركي والروسي. والدليل على ذلك ردات الفعل المختلفة التي أعقبت الإعلان عن هذا القرار: ردات إيجابية، عبّر عنها الروس والأسد والإيرانيون؛ وردّات سلبية، أبرزها تصريحات المسؤولين الأميركيين ولا سيما العسكريين، وعلى رأسهم وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس الذي سارع إلى الاستقالة، وكان قد سبقه إليها المبعوث الأميركي لدى التحالف الدولي بريك ماكغورك، كما ترافق ذلك مع تصريحات نارية صدرت من أعضاء في الكونغرس، تجلت في تصريح النائب الأميركي (ديمقراطي) إليوت إنجل الذي قال: إن قرار البيت الأبيض سحب القوات الأميركية من سورية كان بمثابة “القشة التي قصمت ظهر البعير”، كما دعا السيناتور الجمهوري لينزي غراهام إلى عقد جلسة عاجلة لمجلس الشيوخ الأميركي، لبحث قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من سورية.

أما الأتراك فقد ظهر موقفهم، من خلال سلسلة من التصريحات التي أعلنَت من خلالها الرئاسةُ التركية أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأميركي دونالد ترامب اتفقا على التنسيق بين البلدين، لمنع حدوث أي فراغ في السلطة، مع انسحاب واشنطن من سورية، وأن أردوغان أعرب عن رضاه عن الخطوات التي اتخذتها واشنطن بشأن محاربة الإرهاب في سورية، وعن استعداده لتقديم أي شكل من أشكال الدعم، كما صرح الرئيس التركي، في كلمة له بإسطنبول، بالقول: “مكالمتي الهاتفية مع ترامب، واتصالات أجهزتنا الدبلوماسية والأمنية، فضلًا عن التصريحات الأميركية الأخيرة، دفعتنا إلى التريث لفترة، لكنها بالتأكيد لن تكون فترة مفتوحة”، وأضاف: “سنُعدّ خططنا لعمليات القضاء على عناصر تنظيم (داعش) التي يقال إنها ما تزال موجودة في سورية، تماشيًا مع محادثاتنا مع الرئيس ترامب”، وتابع: “الجنود الأتراك والجيش السوري الحر، قادرون على تحييد التنظيمات الإرهابية”.

تزامنت هذه التصريحات مع تغريدات على (تويتر) للرئيس الأميركي ترامب، قال في إحداها: “أجريتُ اتصالًا مثمرًا مع الرئيس التركي، تباحثنا خلاله بشأن مكافحة تنظيم (داعش)، والانسحاب المُنسّق بشكل عالٍ وبطيء للقوات الأميركية من سورية”. هذه التصريحات المتناغمة بين الرئيسين الأميركي والتركي تدلّ على أن أميركا وتركيا هما الطرفان الرئيسان في هذا الاتفاق؛ وقد بات من الواضح أن أميركا ستنسحب من المشهد العسكري، وتكتفي بإدارة الصراع عن بعد لسببين رئيسيين: يتلخص الأول في الحفاظ على حياة جنودها، إذا ما عرفنا أن المعركة القادمة ستكون صعبة للغاية، نتيجة تغيير في استراتيجية الأعمال القتالية التي ستتبعها (داعش) بعد خسارتها أغلب المناطق التي كانت تسيطر عليها، من أسلوب حرب الجبهات إلى أسلوب حرب العصابات التي يتقنها التنظيم بشكل كبير. ويتلخص الثاني في التكلفة المادية التي تتكبدها الخزينة الأميركية، وتقدر بالمليارات، وقد تحدّث عنها الرئيس الأميركي صراحة، في إطار تبريره قرار الانسحاب، على الرغم من أن من يدفع تكاليف الوجود الأميركي في سورية ليس أميركا، لكن يمكن لهذه الأموال أن تتحول وتساهم في مشاريع عسكرية، داخل الولايات المتحدة الأميركية.

ولهذين السببين الرئيسين؛ ستُعطي الولايات المتحدة الأميركية تركيا الدورَ الأكبر في هذه المرحلة، وهذا سيعطي للأتراك حرية الحركة في إبعاد التنظيمات الكردية المتمثلة في “حزب العمال الكردستاني” من حدودها الجنوبية، وبالتالي محاولة القضاء عليها أو حصرها في منطقة جغرافية يمكن السيطرة عليها، لكن السؤال: ماذا ستفعل تركيا، إذا أرادت أن تحارب (داعش) كما ورد في تصريحات أردوغان وترامب؟ فهذا يعني أن القوات التركية ستتوغل إلى أماكن تواجد التنظيم، في عمق الأراضي السورية في البادية الشامية بالتحديد: المنطقة الممتدة من جنوب الرقة إلى التنف، ومن شرق مدينة تدمر إلى غرب مدينة البوكمال، إضافة إلى ضرورة وصولها إلى منطقة وجود (داعش) على الحدود السورية العراقية من جهة ريف دير الزور الشرقي. وهذا يمكن أن يُعرّض هذه القوات لكثير من المشكلات، وقد تؤدي إلى صدامات مع القوات الروسية وميليشيات الأسد والميليشيات الطائفية المتحالفة معها، وهذا الأمر يمكن أن يؤدي إلى اندلاع نزاع مسلح لا يمكن التنبؤ بنتائجه، خاصة إذا عرفنا أن (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) تتواصل مع القيادة الروسية التي قدمت عرضًا لـهذه القوات، يتضمن نشر قوات من حرس الحدود التابعة للنظام السوري في المنطقة الحدودية من شرق الفرات إلى نهر دجلة، في مثلث الحدود السورية العراقية التركية، للحيلولة دون تنفيذ العملية التركية في المنطقة، ومن الممكن أن يصعّب مهمة القوات التركية التي يُعتقد أنها -تلافيًا لهذه الصعوبات- لن تتجاوز مسافة خمسة كيلومترات في عمق الأراضي السورية، تطبيقًا لاتفاقية 1999 التي عقدها الأسد الأب مع الحكومة التركية، والقاضية بالسماح للقوات التركية بملاحقة التنظيمات الإرهابية التي يمكن أن تؤثر في الأمن القومي التركي داخل الأراضي السورية، حتى عمق خمسة كيلومترات، وإن تجاوزت هذا العمق يمكن أن نشاهد صدامات، يمكن أن تؤدي إلى قرار سيصدره مجلس الأمن تحت الفصل السابع، لإخراج كل القوات الأجنبية من سورية، وستوضع لهذا القرار آليات تنفيذ وقوة عسكرية لتطبيقه، وهذا قد يؤدي إلى حرب إقليمية، يمكن أن تتحول إلى حرب عالمية ثالثة، وما يحدث الآن في منبج، من مناوشات كلامية، يؤكد أن تركيا لن تتورط في الدخول إلى العمق السوري، وتقوم بمناورات سياسية، بانتظار نتائج اجتماع كبار مسؤوليها مع المسؤولين الروس وترجمته على أرض الواقع.

خلاصة القول: على الرغم من وجود مؤشرات تدلّ على قرب اتخاذ قرار الانسحاب من سورية (من تلك المؤشرات قرارُ الإدارة الأميركية التخلي عن اتفاقية خفض التصعيد في الجنوب السوري، وتسليم المنطقة لقوات النظام وحلفائه، ومنها الحديثُ المتكرر للرئيس الأميركي عن رغبته في سحب القوات الأميركية من سورية)؛ فإن من الواضح أن هذا القرار اتُخذ استكمالًا لمخطط أصبح واضح المعالم، يهدف في الدرجة الأولى إلى إعادة إنتاج نظام الأسد، من خلال التحوّل التدريجي في مجريات الأمور، وبخاصة العسكرية منها، فبعد أن كان (الجيش الحر) يُقاتل عصابات الأسد والميليشيات المتعاونة معه والقوات الروسية، أصبحنا نشاهده يتوجه إلى قتال تنظيمات شُكّلت لتقوم بدور وظيفي يهدف إلى حرف بندقية الثورة بعيدًا من قوات الأسد وحلفائه، ويمكن أن نقول إن هذه التنظيمات الوظيفية قامت بدورها على أكمل وجه، وبات من المؤكد اختفاؤها -كما اختفت من باقي المناطق المحررة سابقًا- لكن بسيناريو مختلف، على الرغم من بعض التصريحات والشعارات الرنانة التي يطلقها البعض، لذر الرماد في العيون، كالعزف على وتر محاربة الإرهاب، ووحدة الشعب والأراضي السورية، وقطع الطريق أمام أجندة الانفصاليين، وإيجاد حل سياسي شامل.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close