سلايدرقضايا المجتمع

الرقة في انتظار انتقال جديد: قلق وفوضى وتصدع

تتوالى آثار قرار الرئيس الأميركي سحب قوات بلاده من مناطق انتشارها في سورية، بالتزامن مع تهديد الرئيس التركي بشن عملية عسكرية في المناطق ذاتها، على أحوال مجتمعات الجزيرة السورية، مُحدثةً آثارًا يصعب التهكن بمآلاتها النهائية. فإلى جانب صور عديدة ومتدرجة من الفرز السياسي والاجتماعي في صفوف السكان، بين راغب في التخلص من تسلط الميليشيات الكردية، أيًا يكن المُسيطر الجديد، ومنتفع من الوضع الحالي يحلم بدوامه، بغض النظر عن سوء الأحوال الأمنية والاقتصادية؛ تجد نسبة كبيرة من السكان نفسها مضطرة إلى اتخاذ موقف رمادي، ما دام رأيها لا يؤثر في مسار الأحداث.

هذا القلق والتشتت في الرأي العام لا يجد مؤشرات جدية لتهدئته في سلوك الفاعلين الرئيسيين؛ إذ تستمر تركيا في حشد قواتها على الحدود السورية التركية، على الرغم من غموض الوضع في منبج؛ كما تواصل ميليشيا (قسد) دعايتها المضادة وتحشيدها للموالين مع تغيير طفيف في خطابها الذي بدأ يؤكد على “وحدة سورية” ويقلل من استخدام مصطلح “روجآفا” للإشارة إلى مناطق سيطرة هذه الميليشيا، ويُكثر من التذكير بدورها في محاربة “الإرهاب” من دون خص تنظيم (داعش) به؛ بينما يبدو نظام الأسد أشبه بضبع متحفز ينتظر توافقات القوى الإقليمية والدولية حول دوره في ما بعد الانسحاب الأميركي.

في الرقة، بعد أربعة عشر شهرًا من خروج تنظيم (داعش) منها وبسط سيطرة الميليشيات الكردية عليها، يبدو المشهد مُشوشًا وقابلًا لأكثر من تأويل وسيناريو. فمحاولة هذه الميليشيات خلق أجواء توحي بتوافق اجتماعي وسياسي على الأرض هي محاولة محدودة للغاية، ومحكومة بمنظور هذه الميليشيات الذي يسعى لاحتكار التمثيل السياسي عبر حفنة من المنتفعين القلقين والانتهازيين، كما تصطدم بمحدودية خياراتها في التعامل مع المجتمع، لأنها استثنت وأقصت سلفًا كل القوى الحية التي أفرزتها الثورة بعد العام 2011. والنظام يبدو عاجزًا بدوره عن خلق بديل مقبول، طالما يفتقد العنصر البشري الموالي الكافي لمد سيطرته إلى هذه المناطق، وهو ما يُلجئه إلى الاستعانة بالميليشيات الطائفية الإيرانية والعراقية واللبنانية، الأمر الذي يزيد تاليًا من مخاوف السكان ونفورهم من عودته إلى المحافظة.

يقول علي الأحمد، وهو مدرس سابق: إن “الأمور -في الرقة- وقد وصلت إلى مفترق طُرق جديد… هذا واضح، لكننا لا نعلم إلى أين”. ويوضِّح “الأحوال تشبه أحوالنا، بعد تحرير الرقة من النظام، وكذلك قبيل خروج (داعش) منها. الناس لا يعرفون ما يُخبئه الغد، يريدون التغيير لكن لا يعرفون كيف”.

وعلى الأرض، يزداد المشهد تعقيدًا، فمع استمرار أعمال مقاومة يومية -لا تكاد تنقطع منذ سبعة أشهر ولا تتبناها أي جهة- تتواصل أعمال السطو المسلح على المحال وحوادث السرقة والاغتيال، وتفجير المفخخات وانفجار الألغام، وانتشال مزيد من الجثث من تحت ركام الأبنية المُدمرة. وأضيفَ إلى كل ذلك عامل إضافي هو بدء الميليشيات الكردية أعمالًا توحي باحتمال انسحابها من المنطقة؛ إذ تعمل بهدوء على نقل صهاريج محروقات كان قد طمرها تنظيم (داعش) إلى مدينة القامشلي، كما فككت أجزاءً من سكك القطارات الحديدة ونقلتها بدورها إلى هناك، إضافة إلى نقل المعتقلين في سجونها بالرقة إلى سجون أخرى في القامشلي أيضًا.

في هذه الأثناء، نجح، يوم الجمعة الماضية 28 كانون الأول/ ديسمبر، ثلاثة عشر شخصًا في الهرب من سجن الشرطة العسكرية التابع لميليشيا (قسد) في مدينة الرقة، في أثناء التبديل بين نوبتي حرس. السجن الذي يقع في مبنى شركة كهرباء الرقة خصصته الميليشيات لاعتقال المقاتلين، سواء أكانوا مقاتليها الذين فروا من الخدمة أو رفضوا القتال على الجبهات الساخنة مع تنظيم (داعش) في دير الزور، أم مقاتلي (لواء ثوار الرقة) الذي فككته الميليشيات قبل سبعة أشهر، ووضعت قائده رهن الإقامة الجبرية، وسجنت عددًا من قادته العسكريين: “أبو عواد” و”أبو حيدرة”، وكلاهما من القادة العسكريين لـ (لواء ثوار الرقة). وقد فسر أحد الناشطين الإعلاميين ساخرًا عملية الهرب هذه بـإنها ناتجة عن “الزهزهة الدائمة للحراس”، و”الزهزهة” تعبير محلي يُطلق على الحالة النفسية لمُتعاطي الحشيش والحبوب المخدرة، في إشارة منه إلى كثرة تعاطي منتسبي (قسد) لهذه المواد.

وفي منطقة تل أبيض، أجرت ميليشيا (قسد) تغييرات جديدة في انتشارها، على طول الحدود بين رأس العين شرقًا وعين العرب غربًا مرورًا بتل أبيض بينهما -وهذه المنطقة هي إحدى خطوط المواجهة المحتملة مع فصائل الجيش الحر والجيش التركي، في حال تقرر القيام بحملة عسكرية لطرد الميليشيات الكردية من المنطقة- فقد سحبت عناصرها الأكراد من الشريط الحدودي، وأحلّت مكانهم آخرين عربًا جلبتهم من جبهات القتال مع تنظيم (داعش) في ريف دير الزور الشرقي. وكانت الحال قبل نحو شهر ونصف فقط عكس ذلك تمامًا، إذ كان المجندون يدفعون رشًا تزيد في المتوسط 1500 دولار أميركي لقادة في (قسد) من أجل نقلهم إلى هذه المناطق التي كانت هادئة وبعيدة من القتال واحتمالات الموت أو الأسر. لكن هذه التغييرات جلبت معها مشكلات إضافية لأجهزة (قسد) الأمنية، حيث جعلت انشقاق المجندين العرب أيسر، نظرًا إلى قربهم من الحدود السورية التركية. وبالفعل، فقد نجح خمسة مجندون -على الأقل- في عبور الحدود، وتسليم أنفسهم لحرس الحدود التركي.

ما من شك اليوم في أن هذه المنطقة من سورية تمرّ بمرحلة انتقالية، لكن ما يبدو غامضًا -حتى الآن- هو مدة هذا الانتقال، والصورة النهائية التي سيكون عليها بعد اكتماله.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close