تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

عام جديد للسوريين.. تطبيع وإرادة مضادة

عام جديد تبلغ فيه مأساة السوريين ذروتها، تنتقل من ذروة مفجعة إلى ذروة جديدة، هي أول الساعات والأيام والشهور وسني عذاب السوريين وقهرهم، يُرددون رواية المأساة والتذكير بها، والكل يعرفها في أطراف الأرض الأربعة، حتى اعتدنا أن تُفاجئنا السنوات السورية، كل لحظة، بمأساة تتخطى سابقتها.

أي حديث عن العام الذي مرّ! هل نذكر المعتقلين والمذبوحين.. المهجرين والدمار.. تجريف التاريخ وظهور استيطان جديد من محتل جديد.. خذلان المثقفين والنخب والأحزاب الثورية والأهل، وطعناتهم أعناق السوريين وخواصرهم، بالتلذذ مع الأسد السفاح، والإمساك بسكينه لتمريرها على أجسادهم.

كانت الأمطار والسيول آخر العام تجرف معها أوهامًا كثيرة، وكان السوريون يبحثون عن أجسادهم الممزقة وصوتهم المخنوق في السراديب وأقبية تعذيب تُسابق زمن السوريين بمراكمة جثثهم في فناء المعتقلات، وما زالت وجوه الضحايا منسيّة في عملية بحث مضنية.

نُودع عامًا ونستقبل آخر، وسط ضجيج منبعث من ألسنة عربية تُعلن وصولها إلى حضن سفاح السوريين، وفي آخر العام نقول: هل وصلنا إلى الأفق المسدود، وانتهى كل شيء، وانكسرت الأحلام والأمنيات؟ أم أن جعبة السوريين يمكن أن تعبر بالأحلام نحو مستقبل مختلف، وما الخطوات الآيلة إلى ذلك؟

سؤال مهم في عتمة كوارث حثيثة الخطى، نحو محاصرة ومحاربة السوريين، وتقديم سلسلة من المكافآت للطاغية، من خلال التهافت المخجل نحوه، تمهيدًا لإعلان “نصر جماعي” يحتاج إليه أعداء الشعب السوري الذين استنزفوا قدراته وثرواته، وشربوا من دماء السوريين ليكون المجرم حجة أبدية، وقدرًا لا خلاص منه. سؤال مربك في عام جديد أسقط شعارات ترضعها النظم العربية، لتمرير وتبرير التطبيع مع الأسد السفاح، كضرورة وممر إجباري للتطبيع مع المحتل المحتفي مع الأسد بعام التطبيع مع كليهما.

منذ ثمانية أعوام، تتردى أحوال السوريين من سيئ إلى أسوأ، مع عدم الاعتراف بشرعية حقهم بالخلاص من المجرم، وبالحرب الكونية التي تفتك بهم، وباشتراك كل الجبهات والقوى والنخب العربية في الحرب ضدهم، وسقطت الخدعة الصاخبة عن مؤازرتهم، فيما المحاولات مستمرة في عام السوري لليّ عنقه، حيث رُمي السوريون في وطنهم، بمختلف وسائل الموت والدمار، وقُذفوا من وطنهم إلى رمال باهتة تحوّلت مع أعاصير الأمطار إلى جرفٍ يقاوم السوري فيه موته.

ودّع السوريون عامًا واستقبلوا آخر، على وقع قسوة اتهام السنوات الماضية لأحلامهم، ومن الجثث التي كان يتدرب على شيّها الأسد في أفرانه، ومن على الأجساد التي تفنّن في ذبحها وتقطيعها، يعبر النظام الرسمي العربي، في العام الجديد، نحو السفاح من أجل أن يتنفس معه من عبوة إنعاش واحدة، تتوحد إرادة مضادة ضد تطلعات السوريين، مثل كاسحة ألغام تنزع منهم قسرًا وطأة الأوهام الجميلة، وتدفعهم إلى سلوك دروب مجهولة مليئة ببراميل وألغام متفجرة.

هذه هي مسيرة أعوام السوريين الماضية من ثورتهم، يسقط السوريون في فراغ جديد، يُصلبون من جديد على وحل طريق الخلاص، ليرتسم الدم على طريق الحرية، في مواجهة يتبدد شكلها ويظهر اتساق منظور لصناعة عنصر جديد، يساند الطاغية، ويعمل على إعدام أي إمكانية عربية تعمل على حريتها لتفادي ترسيخ الطغيان، الترحيب بترسيخ صورة المجرم وإعادة إنتاجه وتسويقه، ضرورات ليست عربية فحسب، بل هي ضرورة صهيونية وأميركية وروسية وغربية، وضرورة لكل الناعقين بـ “مقاومة الإمبريالية”، وهم يهتفون لرجعية عربية سحقت طليعتهم في الشارع، لكن من باب النكاية والإفلاس يهتفون لمجرم وسفاح تآمر، ونكّل بشكل جماعي بالسوريين ليصبح نموذجًا وقدوة لطغاة العصر الحالي.

كان واضحًا، خلال السنوات الماضية، أن المتشرنقين بالشعارات المؤازرة للأسد السفاح، والمتشرنقين بشعارات مضادة “تدعم” السوريين، يحملون منطقًا واحدًا متماسكًا، ينسجم مع قواعد تنطلق من عدم القبول بإحداث تغيير جذري في المنطقة، من بوابة اجتثاث الأسدية بعد هز أركانها، انعكس هذا الوضوح انعكاسًا حادًا على ما يعتقده بناة جسور التطبيع مع النظام السوري أو العائدين لحضنه اليوم، من خلال الإقرار بأن كل شيء انتهى وبات محسومًا بالسيطرة التدميرية الشاملة. نعم هناك تدمير وسيطرة بالمذابح، وبمساعدة ثلاث قوى محتلة يُشكّل أحد أضلاعها قوةً عظمى، صبّت كل حمم الموت فوق رؤوس السوريين، وهناك تواطؤ دولي وتآمر إقليمي، لكن مَن قال إن هذا يُنهي الصراع؟!

قبل الثورة، مرت خمسة عقود والنظام يقيم علاقته الطبيعية مع محيطه ويؤدي وظيفته، وشيّد كل البنى في سورية باسمه واسم عائلته، ومع ذلك تهاوت أركانه، الآن يشهد، ونشهد مع كل العالم، خذلان الثورة والهجمة المضادة ضدها وضد السوريين، وهذا لن يُغيّر من المعادلة، طالما عرفنا أن كل العالم متواطئ مع الأسد. واهمٌ كل من يعتقد أن مجرد فتح سفارة وصك اعتراف من قوى محتلة يستجديه النظام، لأجل تعويمه وإطالة عمره، سيفيد في ظل معركة قادمة، طرفها الشعب السوري ومطالباته بالقصاص من النظام المجرم وتقديمه أمام المحاكم الدولية.

العام المنقضي مثلُ غيره، مثقل بجرائم الحرب والإبادة، معتقلات الأسد ما زالت تُمارس الجرائم، وملايين السوريين يحملون أسبابًا لا تنتهي ولا تزول إلا مع اجتثاث الطاغية، أما تنظيف جرائمه، من مجرمين وقتلة، يشبهونه في السفارات والنظم القائمة، فهي تُضيف إلى مشهد العام القادم سخرية من الإيحاء بأن هناك حلًا قريبًا أو تسوية، وما ذلك إلا لإنعاش المجرم مدة أطول.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق