تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

مع العام الجديد.. هل سنقول وداعًا لهيئة التفاوض؟

ليس من السهل أن نصل إلى موجز أحداث العام المنصرم، على الساحة السورية، بأبعادها الداخلية والإقليمية والخارجية، التي بدأت نتائجها بالظهور في الشهر الأخير من العام الماضي، لكن يمكننا -من أجل الموضوعية- القول إن “المعارضات” السورية كانت اللاعب الرئيس في كل الأحداث، على المستويات كافة، على الرغم من أن الظاهر هو أن النتائج كانت بفعل دولي.

استطاعت موسكو، من خلال علاقاتها بتركيا، تنظيم سلسلة اجتماعات أستانا التي أفضت إلى عودة سيطرة النظام السوري على كافة الأراضي التي كانت خارج سيطرته، بل انتقلت بعض الفصائل من معارضة إلى صديقة، من خلال سلسلة من ما يُسمى “المصالحات المحلية”، وهذا ما كان وزير الخارجية الروسية قد أعلنه منذ عامين أن الحل في سورية لن يكون إلا عبر مصالحات داخلية تُفقد القرارات الدولية مبرراتها. وكل ما كانت تفتعله روسيا، من اجتماعات ومماطلات في جنيف، كان بهدف إنجاز تلك المصالحات، لكن روسيا لم تكن تستطيع استعادة السيطرة على الأرض وإجراء المصالحات، لولا أن تركيا أقنعت بعض قادة الفصائل بتمثيل جانب المعارضة في تلك الاجتماعات، كدولة “ضامنة”.

من جانب آخر، لم نلحظ أي اعتراض من طرف الائتلاف السوري المعارض أو الهيئة العليا للمفاوضات، على ما يجري في أستانا، بل كان هناك تواطؤ صامت من طرف الائتلاف الذي كان يُرسل أحمد طعمة، ويبقى متخفيًا خلف الستار، أما بالنسبة إلى اجتماع سوتشي، فقد كانت الهيئة العليا للمفاوضات قاب قوسين أو أدنى من حضور الاجتماع، وهو ما اضطر الهيئة إلى إجراء تصويت في اللحظات الأخيرة، كانت نتيجته لصالح عدم المشاركة، ولكن عدم حضور الاجتماع لم يكن عائقًا أمام قبول نتائجه والانخراط فيها، علمًا أنها تُشكل خرقًا للمسار الأساسي في جنيف، فكانت الهيئة بمنزلة من يضع العراقيل أمام قدمي مسار جنيف، وكان اجتماع سوتشي مسارًا ثانيًا وموازيًا لمسار جنيف، لكنه كان مسارًا وهميًا ومخادعًا، ففي حين استطاعت روسيا إقناع الجميع بأن الحل في الدستور، وأن الدستور في سوتشي، كما استطاعت انتزاع اعتراف أممي بشرعية اجتماع سوتشي ونتائجه، من خلال وعد للأمم المتحدة بأن تكون شريكًا بنسبة الثلث من أعضاء اللجنة الدستورية، تبيّن فيما بعد أن موسكو قد خدعت الموفد الأممي، وعادت لتنقلب عليه، من خلال رفض إعطائه حصته في اللجنة الدستورية، وانقلبت كذلك على وفد الهيئة العليا، من خلال رفض إعطائها حصتها (الثلث)، بل ضغطت موسكو من أجل تبديل بعض الأسماء التي رشّحتها الهيئة ليكونوا أعضاءً. كل ذلك حصل من دون أي تدخّل عربي يُذكر، فقد كانوا غائبين بالمطلق عن أستانا وسوتشي.

من أجل الموضوعية، فقد كان للولايات المتحدة الأميركية دور بارز في استعادة النظام للمناطق الخارجة عن سيطرته، من خلال تخليها عن دعم المعارضة، خاصة في المنطقة الجنوبية، بل مطالبة دول الإقليم بالتوقف عن الدعم، وأميركا التي حضرت بصفة مراقب في أستانا، وغابت عن سوتشي، كانت تعترف -ضمنيًا- بالنتائج التي توصل إليها الاجتماع، وعلى الأقل لم تبدِ رفضًا أو انزعاجًا، وفي الوقت الذي استبشر فيه السوريون برحيل أوباما، واعتقدَ الجميع بأن مرحلة ترامب ستكون أفضل، لم تكن سياسة ترامب سوى امتداد لسياسة أوباما من حيث التخلي عن الملف السوري لمصالح موسكو.

أما الجهد العربي، فقد كان موضع ترحيب على الدوام من طرف المعارضة السورية، وكانت الرياض مقرًا للهيئة العليا للتفاوض، حيث كانت تعقد اجتماعاتها الدورية والطارئة فيها، وفي ظل عدم وجود مشروع عربي؛ كان الجميع يسير في المشروع الأممي تحت غطاء القرار 2254 وبيان جنيف، إلا أن افتقار القرار والبيان السابقين إلى أي آلية تنفيذية أو إطار زمني، في ضوء التخلي الأميركي كقوة ضغط، جعل الجهود العربية وجهود الهيئة العليا غير مثمرة.

تسارُع الحدث السوري، في الشهر الأخيرة من السنة الفائتة، يشير إلى رغبة دولية في إقفال الملف السوري، من خلال إكمال المصالحات على الطريقة الروسية، لكن لن يكون الحل دون ثمنٍ يدفعه النظام السوري، بشكل من الأشكال، فالتخلي الأميركي والصمت الإسرائيلي ليسا بالمجان، وهذا الثمن سيظهر في الأسابيع القادمة.

لا نعلم ماذا يحمل العام الجديد للسوريين، لكن ربما نشهد حلّ الهيئة العليا للتفاوض، بعد أن أصبحت مؤشرات الحل داخليًا ترتفع، على حساب الحل الخارجي، وينعدم تأثير المعارضة الخارجية.

بانتظار عودة سورية إلى الجامعة العربية في الأسابيع القادمة، وربما نشهد مبادرة عربية للحل السياسي، لكن كل من يقول إن النظام السوري قد انتصر، عليه أن يُدرك أنه انتصر فقط على شعبه المسكين، وبمساندة أممية ودعم عربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق