أدب وفنون

أنطولوجيا بالألمانية

متابعة الكتابة وصناعة الكتاب!

صدر في برلين أنطولوجيا تضم نصوصًا أدبية مترجمة، لعدد من الشعراء والكتّاب القادمين من مناطق النزاع الساخنة: (سورية، العراق، اليمن، أفغانستان)، أول ما يلفت الانتباه هو عنوان الأنطولوجيا: “إن القلب لا يترك مكانًا يُعلّقُ فيه”، وهو مقتطف من نص للشاعرة السورية الكردية وداد نبي.

بدأ الشغل على الأنطولوجيا عام 2017 من قبل مجموعة Weiter Schreiben وتعني: متابعة الكتابة. الروائية الألمانية أنيكا رايش هي المبادرة والمديرة الفنية للمشروع، تحت شعار: “Wir machen das”، أي: “إنما نفعل”. في هذا السياق تقول رايش: “بصفتي كاتبة؛ أعرف أن الكتابة في حالة الأزمات هي ضرورة وجودية، لهذا السبب الاستمرار في الكتابة مهمٌ جدًا، لكي يتمكّن الكاتب من الداخل من أن يستمر في هذه الهوية، ويصل إلى قرّائه..”.

يكمن خلف إصدار هذا العمل مجهود فريق، من المترجمين، والمحررّين (الشركاء في متابعة الكتابة)، وكذلك عدد من المنسقين الإداريين، حيث عمل الفريق على التواصل مع الكتّاب، واختيار النصوص، وترجمتها إلى الألمانية، ومن ثم اختيار لوحات تشكيلية، أو صور غرافيكية تحاكي مضمون النصوص، باعتبار أن الفنون البصرية هي جزء أصيل من العملية الإبداعية، والهدف أن تصل الأنطولوجيا إلى القارئ، بأفضل شكل ممكن.

من هذه الزاوية، يمكن أن نشير إلى آليات صناعة الكتاب في ألمانيا، وبصفتي كاتب هذه السطور، لي مشاركة في الأنطولوجيا، كنت شاهدًا على المراحل التي تمت خلالها؛ حيث شاركت في ورشتَي عمل، كان الهدف منهما إطلاعنا على آلية صناعة الكتاب في ألمانيا، وكيفية الترويج له، بما في ذلك دور الإعلام، والقراءات الأدبية التي تُنظّم للتواصل بين الكاتب والقرّاء.

الكاتب-الشريك:

من تقاليد الكتابة والنشر في ألمانيا الجديدة، علينا تخصيص كاتب ألماني مرموق، لكل كاتب مشارك في مشروع “متابعة الكتابة” من أجل التفاعل والحوار معه حول نصه، وتقديم ملاحظات، أو اقتراحات تحريرية له، هذا لا يعني أن يفرض الكاتب الشريك رأيه على صاحب النص، بل بإمكان الأخير أن يقبل، أو يرفض، المهم في هذه العملية هو الحوار، الذي قد يلفت انتباه الكاتب إلى زوايا غامضة، أو مبهمة في نصه، وبالتالي العمل على تطويره شكلًا ومضمونًا، كذلك يعمل الكاتب- الشريك، على تعريف القارئ الألماني بشريكه، وهذا جزء من عملية الترويج، إضافةً إلى دور الإعلام، والقراءات الأدبية في ثقافتنا، فقد يلجأ الكاتب إلى صديق له، أو إلى كاتب معروف كي يقيّم له مخطوطه، وبطبيعة الحال هذا العمل غير احترافي، وقد يشوبه أحيانًا نوع من المجاملات التي قد تسيء إلى الكاتب ونصّه.

من الشائع في ألمانيا، والغرب عمومًا، وجود (محرّر) إلى جانب الكاتب، ووجود “وكالات أدبية” تلعب دور الوسيط بين الكاتب ودور النشر، وغالبًا ما تعتمد تلك الوكالات على رأي المحرّر: هل هذه المخطوطة جاهزة لعرضها على الناشر، أم تحتاج إلى تعديل؟! بينما تعتمد دور النشر العربية على لجنة قراءة لتقييم المخطوطة، ومدقّق لغوي كي تصبح صالحة للنشر!

تعمل الوكالة الأدبية في ألمانيا بشكل احترافي، وهي لا تطلب المال إلّا بعد أن يحقق الكتاب مبيعات، تأخذ الوكالة نسبة ممّا يحصل عليه الكاتب تصل من 10 إلى 20 بالمئة، ومن مهماتها أيضًا اختيار دار نشر مناسبة، حيث تتفاوض على شروط العقد، وتتأكد من التزام الكاتب بشروطه، كذلك ترتب للكاتب جولة قراءات في المدن الألمانية، لترويج الكتاب، وتراجع الحسابات سنويًا.

السوق الألمانية مريحة، لأن الكاتب والناشر لهما أرضية جيدة، وحقوق الملكية محمية، لكن هناك شكوكًا حول القانون على المستوى الأوروبي، يضمن توحيد الأسعار، والتنّوع الأدبي. هناك –أيضًا- تقدير مهم لعمل المترجم، وحقوقه، يفرض أن ينزل اسم المترجم على الغلاف، كذلك لا يُسمح للكاتب أن يبيع كل حقوقه إلى ناشر مدى الحياة.

استمعنا خلال ورشتي العمل لشهادات روائيات ألمانيات، وناشرين، وأصحاب وكالات أدبية، والكل أجمع على أن السلطة في نهاية المطاف ليست للكاتب، ولا للمحرّر، وإنما للنص، سلطة النص هي الأساس، لكن وجهت انتقادات للبيروقراطية الألمانية، على الرغم من تركيزهم على أهمية الجانب القانوني، وحقوق المؤلف والناشر.

هناك نظام خاص للمكتبات، ودور النشر؛ إذ يصل عمر بعض المكتبات إلى أكثر من مئة عام، وهناك شبكات عريضة لمكتبات تهتم بمواضيع محددة، كذلك هناك مكتبات صغيرة، لكن 80 بالمئة من الربح يحصل عليه عشرة تجّار كبار، يتحكمون في سوق الكتاب، وهذا ما يفرضه نظام السوق الليبرالي الحر. وتعتبر سلسلة أمازون هي أكبر تاجر للكتب في ألمانيا.

ما من شك أن الهدف الأساس لدور النشر الألمانية هو: كسب المال والشهرة، وللأسف ما زال الاهتمام بترجمة الأدب العربي إلى الألمانية محدودًا، لكن اندلاع الأحداث في المنطقة العربية في السنوات الأخيرة، لفت انتباه بعض دور النشر المستقلة إلى الأدب العربي، مثل دار “أولشتاين” التي قال مديرها: “نريد نشر كتب ذات أهمية، ولها تأثيرها في المجتمع، للتعريف بالآخر من خلال الأدب. في الوقت ذاته ننشر للحصول على المال، من أجل الاستمرار في نشر كتب ذات أهمية”. السوق الوحيد المتنامي، والواعد هو (الكتاب الصوتي)، بالتالي الأمور معقدة، وليست وردية، كما يعتقد البعض. من هنا تأتي أهمية الوكالات الأدبية التي تعمل على تحصيل أفضل تسويق للكتاب، وتحديد نسبة المكافأة التي يحصل عليها الكاتب، تجاه كل نسخة تُباع؛ حيث يحصل أحيانًا من دور النشر الكبيرة على10 بالمئة، وهناك خدمات إضافية للاهتمام بحقوق التصوير، والعمل على إمكانية الحصول على منح للكاتب، والمشاركة في مسابقات وما إلى ذلك.. أحيانًا يكون للوكيل فكرة رائجة، فيطلب من الكاتب أن يكتب حولها.

يمكن أن ندرك على ضوء ما سبق أهمية مشروع “متابعة الكتابة” الذي يفتح أمام الكتّاب المهاجرين بابًا واسعًا، للتعرّف إلى أفضل الطرق للوصول إلى الناشرين الألمان، ولعلّ أحد أهم أهداف مشروع متابعة الكتابة، كما تقول أنيكا رايش: “أن يحصل هؤلاء الكتّاب على فكرة عن صناعة الأدب الألماني”، وتؤكد الناشرة “لينا متروز” نائبة رئيس قسم النشر في هانزا برلين، التي أصدرت الأنطولوجيا، ما قالته رايش، فتضيف: “نحن نفعل ذلك”. الخبر السار هو منح الأنطولوجيا عشية صدورها جائزة “قوة الفنون”، الأمر الذي سوف يسمح -على ضوء الدعم المالي- بتجديد مشروع “متابعة الكتابة” في العام 2019.

برزت مؤخرًا في ألمانيا أصوات أدبية شابة معظمها من سورية، سواء من خلال مشروع “متابعة الكتابة” والأنطولوجيا، أو مشاريع مشابهة، نذكر منها: رامي العاشق، فادي جومر، رشا حبّال، لينا عطفة، عمر الجفّال، أحمد قطلش، وداد نبي، جلال الأحمدي وغيرهم.. اللافت أن النصوص الشعرية احتلت المساحة الأكبر في الأنطولوجيا، لا أدري من أين ترسخ، في ذهن القائمين على المشروع، أن الشعر –على أهميته– ما زال في المقام الأول في الثقافة العربية، بالمقارنة مع أنواع السرد الأدبي الأخرى: الرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية، وهذا انطباع غير دقيق طبعًا، ولا بد من تصحيحه.

ثمة ملاحظة أخيرة، حول صعوبة اختيار النصوص، بسبب اختلاف اللغة، لذلك، يعتمد القائمون على المشروع، في تقييم أهمية النص، شكلًا ومضمونًا، على ذائقة المترجم، لكن ذائقة المترجم ليست بالضرورة معيارًا دقيقًا للحكم على النص. كذلك، فإن اختلاف الثقافات، وعدم معرفة الشريك الألماني بالخلفية الثقافية والفكرية للكاتب الذي يحاور نصه، قد تخلق نوعًا من سوء الفهم، ممّا يتطلب جهودًا مضنية من الحوار والجدل، حتى يصل الشريكان إلى تفاهمات تردم الفجوة بينهما.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close