مقالات الرأي

نعم… محكومون بالأمل

لو رصدنا ردات أفعال السوريين، ونحن منهم بطبيعة الحال، خلال الشهر الأخير من عام محمّل بالخيبات قد مضى؛ لوجدنا كمًّا هائلًا من التشاؤم، ورغبة غير مسبوقة في كتابة نعي لثورة مغدورة، يقول كثر ممن رصدوا تحولاتها: إنها قد تكون واحدة من أنبل الثورات في التاريخ الحديث، كونها ثورة مستحيلة، ولدت في بلد كان احتمال قول “لا” واحدة فيه قد تودي بحياة قائلها إلى الموت، فما بالك بملايين اللاءات التي ملأت الساحات على مدى سنوات سبع، لاءات محمّلة بالغضب والرغبة في التحرر من الاستبداد الذي وصل إلى مرحلة العبودية، أليس اعتبار إعادة بناء تمثال للدكتاتور السابق انتصارًا أدلَّ تعبيرٍ عن العبودية، ثم أليس الهتاف بالأسد إلى الأبد عبوديةً، ربما لم يعرف لها التاريخ مثيلًا؟

نحن أمام تزاحم خيبات لم نشهدها خلال أواخر السنوات الماضية، يعاد تأهيل نظام دمشق على كافة المستويات، يقول مسؤول إيراني كبير: سيعودون جميعًا إلى دمشق. ودمشق التي يتحدث عنها ذلك المسؤول الإيراني هي دمشق إيرانية بامتياز، خاضعة بكليتها لسيطرة ميليشيات إيرانية، حتى وإن أزيلت الحواجز من بعض شوارعها الرئيسة، وحتى وإن أجريت فيها انتخابات بإشراف أممي، كما يتم التسويق له حاليًا، فلا شعب فيها قادر على قول “لا”، مهما كانت صغيرة، لا “لا” على ارتفاع الأسعار، ولا “لا” على سوق الشباب كالأغنام إلى خدمة عسكرية بغيضة، ولا “لا” على بيع عقارات ومنشآت لمستثمرين إيرانيين. لا “لا” على أي شيء، فقط نعم كبيرة تتصدر كل شيء، ولولا التشهد كانت الـ “لا” صارت نعمًا، وما أدرانا إن كان المشرعون المرتهنون بأوامر نظام دمشق قد يصلون إلى فتوى تجنب الناس قول تلك الـ “لا”.

نعم، هكذا يبدو المشهد، ونحن نعبر إلى سنة جديدة، سوف تقودنا بعد ثلاثة أشهر من بدايتها للمرور بالذكرى السابعة لانطلاقة الثورة، ونحن، كما أسلفت، نستعد لنكتب نعيًا يليق بمئات آلاف الشهداء الذين غادرونا، ربما يظن بعضهم الآن أن ما ماتوا لأجله قد تحقق، وأن دولة عدل قد قامت بسبب تضحيتهم، ماذا سنقول لهم؟ وما هي الكلمات المناسبة التي سنكتبها على شاهدة قبر لثورة في عامها السابع؟

تخيلت مشهدًا روائيًا لشخص حالم يجلس على تلة يراقب مخيمات الشمال، تجرفها السيول، تخيلته ينظر إلى حشود “المتأسلمين” الذي صرخوا بملء حناجرهم إنهم إنما جاؤوا لنصرة هذا الدين، ثم حولوا بنادقهم لتغتال الثورة، ما زالت دماء رائد الفارس وحمود جنيد لما تجف بعد، وما زال كثيرون قابعين في سجون المتأسلمين، المجاهدين الذي شكل ظهورهم طوق نجاة ألقي لنظام دمشق، وسوف يستثمر فيه أفضل استثمار، حتى يبدو الآن وكأنه وصل إلى شاطئ النجاة. في آخر المشهد الروائي يقرر ذلك الحالم أن يلملم صور الثورة، ورايتها وشعارات العدالة والحرية والديمقراطية، ويضعها في حقيبة ثم يواريها الثرى. لكن هل يعني ذلك أن الثورة ماتت؟

لا تسجل كتب التاريخ حوادث عن ثورات ماتت أبدًا، بل إنها تمر بمراحل صعود وهبوط، الثورة الفرنسية، مثلًا، مرت بمراحل تمثلت بعودة الاستبداد إلى ذروته، ثم تمكنت في نهاية المطاف من تحقيق ما كانت تحلم به، وقد استغرق الأمر عشرات السنوات، حدث الأمر نفسه مع الموجة الأولى من الثورة الشيوعية في روسيا، ويبدو أن مسار الثورة السورية لن يخرج عن هذا الترتيب التاريخي، سيظهر يائسون كثر، لكن الفعل الثوري لا بد أن يعود إلى مساره المحتوم، قد يحتاج الأمر إلى سنوات إضافية.

وبما أن الخيبة بدأت ترتسم على وجوه الكثيرين وتعليقاتهم، وخاصة بعد أن أعادت بعض الدول علاقاتها الدبلوماسية مع نظام دمشق؛ فلا بد من التذكير بحدث مشابه تقريبًا، ففي أعقاب حرب الخليج التي أفضت إلى طرد القوات العراقية من الكويت، توقع كثيرون أن النظام الحاكم في بغداد، وقتئذ، انتهت أيامه، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا، فقد عاد إلى الواجهة، وشيئًا فشيئًا بدأ يستعيد حضوره الإقليمي، تمامًا كما يحدث الآن مع نظام دمشق، ولا نريد أن نعول على غزاة خارجيين يقومون بإنهاء مهمته، كما حدث في العراق، لكن حسبنا أن نعوّل على أن ملايين السوريين -وإن تظاهروا بالعيش تحت سلطته- يحملون بذرة التمرد والثورة، ولا بد أن تعود تلك الثورة لتندلع، من حيث لا يتوقع لا نظام دمشق ولا داعموه.

وتمهيدًا لحل سياسي مزعوم، تسعى دول الجوار جاهدة لإعادة ملايين السوريين اللاجئين لديها، وسوف تشكل عودتهم عبئًا كبيرًا على سلطة تدعي أنها قادرة على إدارة الأمور، فأولئك الملايين سيعودون إلى اللامكان، وسوف تكون السلطة مطالبة بتأمين احتياجاتهم الكبيرة، وهي التي دمرت مدنهم وبيوتهم، وفي ثنايا هذا التفصيل الصغير ربما تكمن شرارة تعود للاشتعال من جديد، فالترقيع وبروباغندا الانتصار الزائف لا يمكن أن تعيد للحياة نظامًا مهترئًا، مهددًا في كل لحظة بالانهيار، إذا قرر الأوصياء عليه تركه وحيدًا.

بمقدار ما تبدو الصورة ضبابية، ومخيّبة للآمال، فإنها تحمل في تفصيلاتها كثيرًا من الأمل، لعلنا نكرر ختامًا مقولة: إننا محكومون بالأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق