ترجماتسلايدر

ماذا يعني أن تكون ماركسيًا!

يمكننا تغيير العالم؛ إذا فهمنا القوى الفعلية من حولنا. الماركسية تقدم لنا الأدوات للقيام بذلك

صورة الغلاف: جدارية للرسام دييغو ريفيرا تُظهر تاريخ المكسيك، والتفاصيل التي تظهر كارل ماركس، مكسيكو سيتي، بالاسيو ناسيونال، 2008. وولفغانج ساوبر/ ويكيميديا

من سوء الحظ أنه لا توجد كلمة أفضل لـ “الماركسية”. ماركس نفسه قال ذات مرة إنه لم يكن “ماركسيًا”، وإن كانت بعض التفسيرات النابية لنظرياته حول المادية التاريخية والرأسمالية “ماركسية”. جزء من المشكلة هو أن النظريات والإجراءات التي ساعد ماركس في إنشائها هي أكبر من أن تقع ضمن نزعة مذهبية واحدة، كان ماركس فيلسوفًا (ونوعًا من مؤرخ) للاقتصاد السياسي، أي أنه درَس الإنتاج والتجارة في علاقتهما مع القوانين والتقاليد والأنظمة البشرية، حيث تساعد نظرياته في معرفة مجالات وتجارب أخرى: الاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ، والأدب والسياسة العملية، من بين أمور أخرى.

التشابه الأقرب الذي يمكنني أن أفكر فيه هو ما نسميه اليوم “الداروينية” ونظريات تشارلز داروين، عالم الأحياء في القرن التاسع عشر. لم يخترع داروين علم الأحياء أو علم الحفريات أو علم الوراثة أو أيًا من التخصصات والممارسات العديدة التي يقال عنها إنها “داروينية”. في الواقع، هناك العديد من جوانب “الداروينية” الكلاسيكية -النظريات والاستنتاجات التي توصل إليها داروين وتلامذته- التي راجعها أو رفضها الناس الذين لا يزالون يعتقدون أنفسهم أنهم “داروينيون”. منذ نشر داروين أصل الأنواع وظهور الإنسان، فقد توسع مئات، أو ربما آلاف، العلماء والفلاسفة، وأدخلوا تحسينات ضرورية على نظريات داروين (التي يطلق عليها “التوليف الحديث”)، حيث لم يكن هناك مفهوم عميق عن الوراثة الجزيئية، خلال حياة داروين.

من المفيد التفكير في الماركسية بنفس الطريقة. الماركسية ليست خطة مفصلة لكيفية إقامة الاشتراكية. الماركسية ليست فلسفة أخلاقية، بالطريقة التي حاول فيها الفلاسفة التنوير وأتباعهم -مثل جون راولز- بناء أنظمة أخلاقيية من المبادئ الأولى، لتحديد ما هو أكثر “عدلًا”. إنها لن تأمرنا بالانخراط في عصيان عنيف.

يقدم لنا ماركس، من خلال تحليله للمجتمع البشري، فهمًا للقوانين التي تحكم كيفية تطور المجتمع، وكيف يمكننا فهم عملية التاريخ. نظرياته عن الاغتراب والصراع الطبقي تخبرنا ما يتعلق بأسباب البؤس البشري والعقبات التي تعترض ازدهار الإنسان. هذه هي “المادية التاريخية” التي هي الخيط الوحيد الأقوى في عمله. ببساطة، المادية التاريخية هي نظرية تنص على أن المجتمعات البشرية تتطور وفقًا لمتطلبات “قوى الإنتاج”، وأن سمات أي مجتمع ترتبط في نهاية المطاف بنظام قوى الإنتاج. الناس سوف “يتعلقون” بنظام الإنتاج كطبقة. لذلك، كان الصراع الأساسي في المجتمع بين الطبقات على جهات متعارضة من أنظمة الإنتاج، وهذا هو الجزء الجدلي/ الديالكتيكي من نظريته.

ومثلما لم يكن داروين هو أول “تطوري”، لم يكن ماركس -في أي حال من الأحوال- أوّلَ اشتراكي. وكما مع داروين وكلمة “تطور”، الاشتراكية تعني شيئًا مختلف نوعًا ما، قبل أن يأتي ماركس. الاشتراكية هي بالأساس نظام أخلاقي، متجذر في بعض الأحيان في القيم المسيحية، والمثالية في الشخصية، ومبررة على أساس ما هو “منصف” أو “عادل”. قضى ماركس وإنجلز الكثير من سنوات نشاطهما، في تمييز نظرياتهما عن نظريات اشتراكية “يوتوبية” بُنيت على الإقناع الأخلاقي، تقدّم إنجلز بعيدًا لطباعة ونشر مخطوط كتاب طويل حول ذلك.

أضفى داروين طابعًا ثوريًا (ثوَّر) نظريات “التطور” الموجودة عن طريق إدخال مفهوم الاصطفاء الطبيعي على مدى الزمن الجيولوجي، ومن الأفضل أن يُذكر داروين لنظرية الاصطفاء الطبيعي أكثر من التطور. كان العنوان الأول لكتابه أصل الأنواع هو الاصطفاء الطبيعي. بالطريقة نفسها، أخذ كارل ماركس تحليلًا تاريخيًا وفلسفيًا قائمًا للمجتمع البشري والاقتصاد السياسي، وطبق عليه مقاربةً موضوعية، وطور منها نظرية المادية التاريخية والمادية الجدلية.

ما تعلمنا الماركسية إياه هو أن نقارب ببساطة مسائل المجتمع على أساس مادي: كيف تستمر حياة الإنسان؟ من خلال إنتاج السلع والخدمات اللازمة للعيش. كيف يتم إنتاج هذه الأشياء في ظل المجتمع الرأسمالي؟ من خلال استغلال عمل الطبقة العاملة، أي من خلال مطالبة طبقة واحدة من الناس ببيع عملهم كسلعة لطبقة أخرى لإنتاج/ توليد القيمة. ما هي نتيجة هذا النظام؟  “اغتراب” هؤلاء العمال عن قوة عملهم، وابتعادهم من حياتهم الواعية، ومطلوب منهم على الدوام إنتاج المزيد والمزيد، مع قلق دائم من الحصول على وسائل العيش.

إذا أردنا أن ننشغل في المنافسة السياسية، ونحلل ما كان ماركس يسميه “الاقتصاد السياسي”، فلا بديل من الماركسية التي لا يجاريها أحد في قوتها أو مبادئها التوضيحية. على الرغم مما قيل، أفهم هذا التحذير الذي قد يدفع العديد من الاشتراكيين أو الديمقراطيين الاجتماعيين إلى الاشتراك في “الماركسية”: تركيز ماركس على “الصراع” الطبقي، و”إطاحة” الطبقة الرأسمالية، و”ديكتاتورية البروليتاريا”، وكل منها قد تطرق أُذن الأميركيين الجدد كشرط للعنف والاستبداد.

من المهم أن نفهم ما يعنيه ماركس بهذه الأشياء.

لا يعني الصراع الطبقي بالضرورة وجود حواجز في الشوارع، وتنفيذ عمليات إعدام بحق الحكام الأثرياء. إن هذه الأشياء يمكن أن تنجم عن حقيقة تاريخية، لكن أمر “الصراع” الذي يتحدث عنه ماركس هو التنافس الاجتماعي والسياسي بين الطبقات، وهو قائمٌ دائمًا: على شكل مطالب الأجور والعرائض، وتغيير القانون، والإضرابات وعدم الامتثال/ التمرد، وصولًا إلى ثورة مسلحة. في البيان [البيان الشيوعي]، يصف ماركس كيف أن الرأسماليين يرضخون أحيانًا للمطالب التي تنادي بها الاحتجاجات والإضرابات، وفي أوقات أخرى، سوف يقاومون إلى أن تؤخذ التنازلات بالقوة. القوة النسبية للجانبين هي من يحدد طبيعة الصراع. إن الهدف الكامل لمنهج ماركس هو فهم أن الصراع متأصل في النظام الرأسمالي، إنه صراع موضوعي. كيف يختار الاشتراكيون استراتيجيًا، الفوز في الصراع يعتمد على العديد من العوامل، ومنها السبل المتاحة لهم لتحقيق تغيرات في النظام، فهذا هو الذاتي. سواء أحببنا ذلك أم لا، فالطريقة التي يتم بها إنتاج السلع في ظل الرأسمالية ستوجب دائمًا الصراع بين الطبقات، العمال يريدون المزيد، والرأسماليون يريدونهم أن يحصلوا على القليل والقليل.

أما عن “الإطاحة”، فيبحث ماركس عن الكيفية التي انتهت بها أنظمة الإنتاج السابقة، وتغيرت إلى أشكال/ صيغٍ جديدة: من الصيد وجمع الثمار إلى الرعي، إلى العبيد والممالك [القنانة]، إلى الإقطاعية، ثم إلى الرأسمالية. صحيح أن هذه التحولات اتسمت بفترات من المنافسة العنيفة، لكن (كما هو الحال مع الداروينية) أظهرت الدراسة التاريخية أن الانفجارات العنيفة لم تكن الوسيلة الرئيسة أو الأولى للتغيير. في الواقع، إن عقودًا، وأحياناً قرونًا، من التغييرات الأصغر تراكمت مع مرور الوقت للضغط على الأنظمة القائمة لتحقيق/ لإحداث تغيرات كبيرة. وينطبق هذا بشكل خاص على الرأسمالية، التي نشأت في أوروبا ليس في وقت واحد، بعد أن قطع الفرنسيون ما يكفي من رؤوس النبلاء، ولكنها حدثت في مدة طويلة، بدءًا من القرن الرابع عشر. إن نمو الممالك الشبيهة بالدولة، والمدن التجارية “الحرة”، والتغيرات التدريجية في التقنية، والتحسينات في الاتصالات والخدمات اللوجستية، والتغيرات في النظم القانونية، كانت الثورة الفرنسية جزءًا من عملية تغيير أطول وأوسع.

ربما يساء فهم فكرة “دكتاتورية البروليتاريا” من الكثيرين، التي نجدها في “البيان” وفي عمل يُسمى “نقد برنامج غوتا”، ولكن غالبًا ما تُنسب إلى/ تُفسر وفق نظريات فلاديمير لينين الأخيرة. إن دكتاتورية البروليتاريا لا تعني الإرهاب الثوري ضد الأعداء الطبقيين وقتل الحرية. إنها تعني شيئًا بسيطًا للغاية: انظر حولك. هل ترون كيف أن الطبقة المالكة تحتكر السلطة السياسية (أو تحتكرها تقريبًا) في ديمقراطيات “السوق الحرة”؟ إن “دكتاتورية” البروليتاريا تقلب هذا. بالنسبة إلى الماركسيين، فإن دكتاتورية البروليتاريا تعني ببساطة مدة تكون فيها السلطة السياسية مشتركة، من أجل المنفعة الحصرية للطبقة العاملة. يستدعي الوصول إلى هذا الهدف أن تدرك الطبقة العاملة أنها في الحقيقة طبقة لذاتها، وتتصرف وفقًا لمصالحها. وليس من الضروري أن  يترافق هذا مع ثورة عنيفة. الدكتاتورية سيئة. نحن نعيش اليوم في ظل شكل من الدكتاتورية: دكتاتورية نيابة عن الطبقة الرأسمالية. هذا لا يعني أن أفراد الطبقة العاملة لا يملكون أي حريات، هذا يعني أن الدول التي نعيش فيها هي دول منظمة لحماية النظام الرأسمالي للعلاقات الاجتماعية. يمكن لبعض الناس امتلاك وسائل الإنتاج، وعلى البقية منا بيع قوة عملنا من أجل البقاء. إن دكتاتورية البروليتاريا تعكس هذا: إنها تنظم الدولة لتصون الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج.

كان ماركس وإنجلز ناقدين لحجج الاشتراكية و”عدالتها” الأخلاقية، لأنها كانت غير تاريخية، وتفتقر إلى أساس عقلاني حقيقي، ولذلك كانت مصاغة وفق أيديولوجية الطبقة الحاكمة. هذا ليس فريدًا بالنسبة إلى ماركس، لكن فيلسوفًا معاصرًا، مثل برنار ويليامز (ليس اشتراكيًا) هو من بين الفلاسفة الأخلاقيين الجازمين الذين يرفضون فكرة أننا نستطيع أن نفكر/ نعقل في طريقنا نحو الأخلاق، أو الصواب والخطأ. من الناحية التاريخية، لم تتم إعادة ترتيب قوى الإنتاج -وهي التي تحدد ازدهار الإنسان- من خلال الحجة الأخلاقية، فقد تطلبت المشاركة في النضال/ الصراع، في المنافسة السياسية. لم يحاول ماركس دفع الناس نحو العنف. لقد كان فقط يفضح ويقول إن قوى الإنتاج تؤدي إلى الصراع الطبقي، الأمر الذي سيتحول إلى تغيير في قوى الإنتاج.

وباعتبارنا من الاشتراكيين بعد ماركس، كما علماء الأحياء بعد داروين، لا نقبل سوى بالواقع المادي للنظام الذي نعيش فيه. يتم استغلال قوى الإنتاج القائمة على الاستغلال لاستخراج “فائض/ فضل القيمة” الذي يتطلب سلعنة العمل [تحويله إلى سلعة]، التي تجعل العمال مغتربين. الصراع متأصل في النظام الرأسمالي. عندما يصبح العمال واعين لأنفسهم كطبقة [طبقة لذاتهم] ويتصرفون لمصلحة إرادتهم ورغباتهم؛ فإنهم يتصرفون لإنهاء النظام بالتأكيد. إنه ليس قضية عن الأخلاق، وليست عن العدل. إنه يتعلق بالصراع بين أولئك الذين يسيطرون على مصيرهم وغير مغتربين عن وسائل عيشهم (الرأسماليين) وبين من يريدون هذا الشرط لأنفسهم، لكنهم بعيدون عنه (الطبقة العاملة).

كلمة عن العنف. مثل معظم الناس، أنا أمقتُ العنف. العنف يحط من كرامة مرتكبيه، لأنه يضر بضحاياه. ماركس لا يصف العنف، على الرغم من أنه تعامل معه على أنه نتيجة مشتركة واضحة لمراحل من التغيير الجذري في قوى الانتاج، أي بمراحل “الإطاحة”. علينا أن نسأل أنفسنا: هل خلت التغيرات الاجتماعية الكبرى، في أي وقت مضى، من العنف؟ “ومن أين أتى هذا العنف؟ لنتأمل في حركة الحقوق المدنية الأميركية، التي عُوملت في الذاكرة التاريخية كأفضل مثال على التغيير “اللاعنفي”. لكن ألم يكن هناك عنف؟ الحقيقة هي أن الدولة والأفراد ردوا على مطالب الأميركيين السود بالعنف. كان هناك عنف خلال حركة الحقوق المدنية، ولم يواجه على نطاق واسع من قبل أولئك الذين يطالبون بحقوقهم. وعندما تحققت تلك المطالب، كان هناك “عنف” من نوع آخر، عندما قامت الدولة بمقاضاة واعتقال مجموعات الكراهية، مثل جماعة كلان، على سبيل المثال، كان ذلك نوعًا من “عنف” دولة، لا بد أن نأخذه بعين الاعتبار. ناهيك عن الهجمات على المقاتلين من أجل الحرية، سواء أكانوا من حركة الحقوق المدنية ومحاميها، أو من أناس يحمون وطنهم من عنف الغوغاء، التي تنطوي على العنف دائمًا.

وماذا عن الحركة العمالية؟ مِن الحراس الخاصين إلى الشرطة المحلية إلى الجيش الفدرالي، يُعامل بالعنف أولئك الذين ينخرطون بالنضال لكسب الحقوق في مكان العمل. في الواقع، وُسمت الحركة العمالية الأميركية على نحو خاص بالعنف، مقارنة بنظيراتها الأوروبية، خاصة في الغرب الجبلي، حيث تستدعي شركات التعدين والطاقة القوات المسلحة لكسر الإضرابات. كان نضال العمال عبارة عن إضرابات وتمردات، بينما كان العنف هو ردة الفعل.

في الصراع التاريخي، أوّل من يلجأ إلى العنف هم أولئك الذين يتشبثون بالنظام الخاضع للانتقاد أو الهجوم. أن تكون ماركسيًا لا يوجب عليك الإيمانَ بانتفاضة مسلحة لخلق عالم جديد، ولا بتغيير عنفي أو استبدادي. هذا يعني فقط أن الاعتراف بحقيقة موجودة بالفعل: الصراع الطبقي. إن التكتيكات والاستراتيجيات التي يستخدمها العمال لتحقيق الوعي الطبقي، والتصرف لإنهاء النظام الاستغلالي، هما أساليب يجب أن نعرفها.

وسبب تضافر الاشتراكية المعاصرة بالماركسية هو هذا الفهم لكيفية تحرك التاريخ، وكيفية تحركه المستقبلي، ليس اعتمادًا على الحجج الأخلاقية التي نقدمها، بل على الظروف الموضوعية التي نعيش فيها. لن يكافح العمال ضد مبادئ مجردة، ولكن ضد شروط بشرية حياتية ذات مصالح مادية. في كتابه الثامن عشر بروميير “لويس نابليون”، كتب ماركس: إن “البشر يصنعون تاريخهم الخاص، لكنهم لا يفعلون ما يرضيهم”. يمكننا تغيير العالم، في حال واحدة: إذا فهمنا -فعلًا- طبيعة القوى المحيطة بنا. إذا أردنا تغيير العالم؛ فإننا نحتاج إلى أن نكون في داخله، وأن نبني عليه، ولكي نكون حقًا في داخله، نحن بحاجة إلى فهمه. وهذا ما يجعلنا ماركسيين.

اسم المقالة الأصلي What It Means to Be a Marxist
الكاتب رامسين كانون،RAMSIN CANON
مكان النشر وتاريخه اليعقوبي،JACOBIN، 12/11/2018
رابط المقالة https://www.jacobinmag.com/2018/12/marxism-socialism-class-struggle-materialism
عدد الكلمات 1791
ترجمة وحدة الترجمة/ أحمد عيشة

 

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close