مقالات الرأي

شرق الفرات واللحظة التاريخية

سيتحدد مصير شرق الفرات (كما أرى) في ضوء التفاهمات التي جرت في موسكو، يوم السبت، بين الوفدين التركي والروسي، حيث لا يبدو أن هناك شيئًا يمكنه أن يوقف أو يُعطل هذه التفاهمات، طالما أن القادر على التعطيل، الولايات المتحدة، راضٍ ومتخلٍ إلى حدٍ بعيد.

ما رشح عن هذه التفاهمات، وما نسمعه من تصريحات لمسؤولين من كلا البلدين، يدل على أن الطريق أمام الجيش التركي لاقتحام منبج ومناطق في شرق الفرات، أصبح سالكًا، ولم يبق سوى اللمسات الأخيرة على خطة الاقتحام، الذي من دون شك سيُنهي الوجود المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) المتمثل بشكل رئيس بـ “وحدات حماية الشعب” (YPG) التي تُشكّل العمود الفقري لـ (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد)، وسيكون ذلك -على الأقل- في المناطق المتاخمة للحدود التركية، التي تضم معظم المدن والبلدات التي يتمركز فيها الحزب والقوات الكردية المستهدفة.

يستشعر التنظيم الكردي المسلح هذا الخطر الوجودي الحالي، ويبذل قادته جهودًا دبلوماسية كبيرة لتجنّبه، حتى لو كان الثمن تسليم المناطق لجيش النظام في إطار تسوية مُذلّة، لأن النظام لا يقبلها إلا كذلك، ولا يبدو أن مساعيهم ستثمر عن شيء غير تلك التسوية، فالأوروبيون ليسوا بوارد التدخل، بمعزل عن الولايات المتحدة، والروس مشغولون بتسويق النظام وإعادة تأهيله، ويهمهم إرضاء تركيا أكثر بألف مرة من إرضاء المسلحين الأكراد، وتصريحات مسؤوليهم في هذا المجال لا تتحمل التأويل.

أليس ثمة من سيناريو آخر؟ أقول: نعم، هناك سيناريو أفضل بكثير، بالنسبة للمسلحين الكرد، ولكل أبناء المنطقة، ولكل السوريين وقضيتهم الوطنية، وهذا السيناريو قد يُخرِج (PYD) و(قسد) من ورطتهم التي دخلوها، وأدخلوا الأكراد والمنطقة فيها، وقد تنتج عنه آثار مهمة جدًا، على صعيد المنطقة (شرق الفرات) وعلى الصعيد الوطني عمومًا.

يقوم هذا السيناريو على قرار استثنائي متقدم وشجاع ومؤلم، يتخذه قادة (PYD)، ويتضمن بشكل رئيس:

1.   الإعلان عن فك الارتباط بشكل نهائي بحزب العمال الكردستاني (PKK) وجبال قنديل.

2.   الإعلان، بوضوح لا لبس فيه، عن العودة عن مشروع الفدرالية وأي مشروع لإقامة كيان كردي مستقل، وترحيل هذا النقاش لما بعد الانتقال السياسي، وقيام المؤسسات الوطنية المنتخبة.

3.   الإعلان عن التخلي عن حالة العداء مع تركيا، والالتزام بعدم المشاركة أو الدعم أو التغطية على أي عمل عدائي، من أي نوع كان، يطال تركيا.

4.   إعلان الرغبة الصادقة في التصالح والتسوية والتفاهم مع باقي القوى السياسية والمجتمعية الكردية من جانب، ومع القوى السياسية والمجتمعية السورية الأخرى في المنطقة، ومع هياكل المعارضة السورية، والاستعداد لتقديم التنازلات اللازمة، لتحقيق تفاهمات مرضية وقابلة للحياة، بما فيها، وعلى رأسها، وضع السلاح، وتوظيفه في إطار خطة وطنية متفق عليها.

5.   الإعلان عن الاستعداد لرفع حالات الظلم والاعتداء التي حصلت، وجبر الضرر، ورد الاعتبار، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل سيطرة الحزب وتغوله على المنطقة وأبنائها.

6.   الإعلان عن الالتزام بالخيار الوطني العام لكل السوريين، وبأن الأكراد جزء من الشعب السوري، لهم ما له، وعليهم ما عليه، وأن معالجة قضيتهم وتحصيل حقوقهم لا يمكن أن تتم إلا ضمن هذا الإطار حصرًا.

أحسب أنه، بمبادرة كبيرة متقدمة ونوعية بهذا الحجم، يمكن لأنقرة أن تعيد النظر بحساباتها وأولوياتها، من اجتياح وما شابه، حيث تسقط ذريعة التدخل العسكري المتمثلة باتهام (PYD) بالإرهاب والعداء لتركيا، والتبعية لـ (PKK). وأحسب أن هذه المبادرة يمكن أن تفتح المجال أمام مشروع كبير لإدارة المنطقة بطريقة ديمقراطية خلاقة، بالتشارك مع القوى والمكونات الأخرى، لتكون نموذجًا يحتذى بالنسبة إلى باقي مناطق القطر. وأحسب أنها يمكن أن توفر صيغة مناسبة للتعامل مع بقايا (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش)، وتصفية وجوده في المنطقة، كما أحسب أنها يمكن أن تُثلج قلوب جميع السوريين، وتخفِّض من حمولة الغضب والحقد التي تراكمت في صدورهم، نتيجة ممارسات (PYD) خلال السنوات الثماني المنصرمة، وما استدعته من ردات فعل عليها، من قبل الغلاة من كلا الطرفين، وأحسب أخيرًا أن كل ذلك سيقود إلى مناخ إيجابي، على مستوى جميع القوى الوطنية السورية، قد يقود بدوره إلى التأسيس لمشروع وطني ينتظره جميع السوريين.

تتأسس مسؤولية PYD عن مبادرة كهذي، على أمرين: الأول أن الحزب يشكل سلطة الأمر الواقع، وهو القوة العسكرية الرئيسة والمهيمنة على المنطقة، والثاني لأنه هو بالذات من تسبب في هذه الورطة، بخطواته غير المحسوبة، المستندة إلى فكرة الفرصة الذهبية التي أتاحتها الثورة بدايةً، وإلى أوهام الدعم الأميركي تاليًا، وباستعدائه لمحيطه العربي وغير العربي، وللجار الإقليمي الشمالي القوي والمصمم.

هل هي مبادرة مجحفة أو مُهينة؟ بالتأكيد لا، بل بالعكس؛ هي مبادرة وطنية مشرّفة على غير صعيد، لأنها تحمي الوطن من السيطرة التركية أولًا، وتحمي المنطقة من الاحتلال الأسدي ثانيًا، مع ما يجرّه هذا الأخير من إذلال وقهر، يعرفه الأكراد جيدًا، كما يعرفه السوريون كلهم. وهي مبادرة تسد الذرائع، وتفتح الباب أمام تسويات ومصالحات ومشاريع وطنية ضرورية لم تخرج عن طور الأحلام. وهي مبادرة تُعيد تصنيف (PYD) إلى المستوى الوطني، بعد أن كان يُصنف كتابع لجهة أجنبية، ينفذ أجنداتها. وإذا نظرنا إلى الأمور بنسبيتها، فالسيناريوهات البديلة هي المجحفة والمذلة فعلًا، سواء كانت احتلالًا تركيًا أو احتلالًا أسديًا. وبالنتيجة فإن أي تنازل لمصلحة الوطن وأهل الوطن، لا يُصنف إلا كعمل وطني مشرّف بالضرورة.

نتساءل أخيرًا: هل ثمة أمل في إطلاق مبادرة من هذا النوع؟ وهل ثمة أمل في تلقفها والتفاعل معها بإيجابية من قِبل الآخرين؟

الأمل في إطلاق المبادرة معقود على قادة (PYD)، وعلى قدرتهم على الاستيعاب والتسامي. أما الأمل في تلقف المبادرة بإيجابية من قبل المقصودين بها، فمعقود على معطيات الظرف الراهن واللحظة التاريخية.

الظرف الراهن واللحظة التاريخية يشيران إلى أن جميع المعنيين، مؤهَّلون الآن لتلقف مبادرة كهذي والتعامل معها بإيجابية، كلٌ لظروفه وحساباته، فالأتراك يتخففون من أعباء التدخل العسكري الهائلة، واختلاطاته واحتمالاته غير الحسوبة، طالما أن هدفهم (على ما يزعمون) هو السلاح الكردي المعادي (الإرهابي) الذي يشكل امتدادًا لسلاح عدوهم (PKK)، وبالأمس القريب قال أردوغان: “ليس لدينا ما نفعله في منبج، فور مغادرة المنظمات الإرهابية”. أما المحيط الكردي والعربي والسرياني، الذي يُشكّل نسيج منطقة شرق الفرات، فسيرحب بالمبادرة أيّما ترحيب، كيف لا وهو الذي يعاني ويتحمل عبء تسلط (PYD) وقمعه وتفرده وممارساته العدوانية المختلفة. ويمكن الحديث بنفس الإيجابية عن باقي القوى السياسية الوطنية السورية المشغولة بالبحث عن صيغة عمل مشتركة تُخرج العمل الوطني المعارض من أزمته.

علّمتنا محنة السنوات الثماني المنصرمة أن ليس عندنا رجال دولة كبار، يتنكرون لحيواتهم ومصالحهم الشخصية لحساب المصلحة الوطنية، ويملكون من الشجاعة والحكمة وبعد النظر ما يجعلهم قادرين على الإتيان بالأفعال الكبرى اللازمة، في اللحظات التاريخية المصيرية. فهل يُفاجئنا قادة (PYD) الآن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق