أبحاث ودراساتسلايدر

ما جدوى الحديث عن التركيبة القبلية والعشائرية في سورية؟

أما زال هناك قبائل في سورية؟! وهل يمكن أن تكون مادةً للدراسة أم أنها أمست تركيبات من الماضي في طريقها إلى الزوال، ونشهد الآن ذوبانها في ظل الحرب السورية وحركات النزوح الجماعية؟ كثيرًا ما يُطرح هذا التساؤل، عندما أتحدث عن موضوع بحثي المتعلق بـ “الصلحة القبلية” في سورية والتغيرات التي طرأت عليها وعلى الأعراف القبلية، بعد الثورة السورية وما تلاها من نزاعات على الأرض.

أعترف أن محاولتي لفهم التركيبة القبلية في سورية ما تزال مهمة شاقة، وذلك لعدم الاتفاق على هذا المفهوم، وتغيّراته عبر الزمن من جهة، ولنقص المراجع التي تتناول الموضوع، من خلال أدوات ونظريات الأنثروبيولوجيا والسوسيولوجيا من جهة أخرى. ما يزال كثير من الباحثين الغربين يطلقون تسمية البدو وقبائل البدو، عند تناولهم موضوع القبائل والعشائر في منطقتنا. في حين أن ما يتبادر إلى ذهننا -بصفتنا سكان هذه المنطقة- عن البدو، هو صورة البدو الرّحل (العرب كما يسميهم أهل العشائر) ممن يسكنون خيام الشعر، ويعيشون في ترحالهم على تربية الإبل والأغنام، ولقد لحق هؤلاء -تاريخيًا- كثير من التغيرات الجيوسياسية التي دفعتهم نحو الاستيطان، ليتحولوا إلى قبائل نصف رُحّل، ممن يتنقلون بين فصلين (الخريف والربيع) بحثًا عن أماكن أكثر دفئًا وملائمة لتربية الماشية ضمن دورات ثابتة، زمانيًا ومكانيًا، في ما يسمى النجعة[1].

بعد ذلك، تحولت القبائل والعشائر في سورية، معظمُها، إلى الاستقرار الكامل والعمل الزراعي إلى جانب تربية الماشية، وذلك نتيجة مجموعة من العوامل، أهمها تقسيم المنطقة إبان حكم الانتداب، والضغوط التي مارستها حكومات ما بعد الاستقلال لتوطين هذه العشائر ودفعها نحو الاستقرار، واعتناق نمط الاقتصاد الريفي الزراعي. أما البدو كنمط حياة، بالمفهوم المتعارف عليه، فلم يبق منهم سوى قلة قليلة، ممن استطاعوا الحفاظ على حياتهم السابقة، بمعزل عن التأثيرات والضغوط السياسية والاجتماعية المتلاحقة عليهم. هناك أيضًا ندرة في الأبحاث السورية والعربية عن موضوع القبائل والعشائر في سورية، نتيجة ضعف العمل البحثي بصورة عامة، وضعف الحريات والأعمال غير الخاضعة لرقابة وإشراف الدولة المركزية التي لم يكن في مصلحتها التوجيه نحو فهم هذه التركيبات، أو فهم المجتمع ككل من جهة أخرى.

حتى الآن، لا توجد دراسة إحصائية عن عدد القبائل والعشائر، وعدد المنتسبين إليها في سورية[2]، لكننا إذا نظرنا إلى خريطة توزع القبائل على الأرض السورية؛ وجدنا أنها تغطي معظم المناطق والمحافظات السورية. إن أي معرفة أولية بأسماء القبائل والعشائر الكثيرة، وانتشارها الواسع، تعطي فكرة عن أهمية هذه التركيبة الاجتماعية في سورية، ومدى أهمية فهمها لفهم المجتمع السوري ككل، بتركيباته المختلفة، ولا سيما أن التركيبة القبلية والعشائرية متداخلة أيضًا مع التركيبة الطائفية والقومية في المجتمع السوري. حيث إن جميع الطوائف، ومنها العلوية والدرزية والإسماعيلية والسريانية المسيحية والإيزيدية، هي أيضًا مجتمعات قبلية وعشائرية، تحكمها أعراف قبلية متداخلة مع الهوية الدينية واللاهوتية لتلك الطائفة، حيث إن شيخ العشيرة -في كثير من الأحيان- هو نفسه رجل الدين فيها، فيتداخل المفهوم العشائري باللاهوتي الديني. وكذلك ينطبق الأمر على الأقليات القومية الأخرى، ومن ضمنها الكردية والأرمنية والشركسية والتركمانية، وهي أيضًا مجتمعات بتركيبات قبلية وعشائرية. لا بل إن هناك تحالفات عشائرية تاريخية تمّت بين مختلف القوميات ذات التركيبة العشائرية، ولا سيما العربية – الكردية في منطقة الجزيرة، إبان الاحتلال العثماني، وكان هدفها إنتاج تركيبات عشائرية وأحلاف أكثر تعقيدًا، بغرض تحقيق مزيد من السلطة، وفرض السيادة على مناطقها، في مواجهة عشائر أخرى ذات نفوذ. ومن مثل هذه الأحلاف “الاتحاد الملي” و”عشائر طي” التي دخلت في تركيبها عشائر كردية بدوية لتقوية نفوذها، في مواجهة “عشائر شمّر”[3].

ولكن بالعودة إلى السؤال المتعلق بفائدة الحديث عن التركيبة القبلية للمجتمع السوري، يرى البعض أنها تركيبة زائلة لا محالة، بحكم التطور الحضاري والحياة المدنية القائمة على الفردية، التي تختلف عن مفاهيم القبيلة، كبنية مجتمعية تقوم على العصبية، وإعلاء شأن الجماعة على حساب الفرد. ومن جهة أخرى القبائل لها منظومة أعراف وتقاليد تشكل نموذجًا مختلفًا، يتعارض أحيانًا مع قانون الدولة المركزية. نحن هنا إذن أمام تضارب مفاهيمي، وتعارض مؤسساتي ما بين القبيلة والمجتمع المديني من جهة، وما بين القبيلة والدولة المركزية من جهة أخرى.

لمقاربة دور الفرد بمقابل دور الجماعة في المجتمع، من المهم القيام بمراجعة أفكار عدة، منها دورُ شيخ القبيلة الحالي، كمنصب وصلاحيات ومفهوم التركيبة القبلية مقابل الهوية القبلية، إضافة إلى فهم الهوية العميقة للمجتمع السوري وآليات عمله. يبدو أن دور الشيخ ومدى صلاحيته يختلف من منطقة إلى أخرى، ومن عشيرة إلى أخرى في سورية، ولكن الصفة الجامعة لهذا الدور، اليوم، ويتفق عليها كثيرون ممن تحدثت معهم من خلفيات عشائرية، هي أنه تراجَع كدور تحشيدي سياسي، وتعاظم كدور توفيقي مجتمعي[4]، فدور شيخ القبيلة صاحب السلطة المطلقة في عشيرته، الذي تراهن عليه كثير من القوى السياسية الخارجية، يبدو أنه تراجع كثيرًا، في ظلّ انقسام العشيرة الواحدة، بين معارض وموال للنظام. وفي المقابل فإن دور شيخ القبيلة، كمُصلح أو عارفة (القاضي بالأحكام العرفية القبلية) فهو في حالة تنام، بسبب ازدياد الحاجة إلى مثل هذا الدور، بعد غياب المؤسسات التنفيذية والقضائية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، كما في محافظة إدلب وريف حلب، وغياب حكم القانون والثقة بالمؤسسات الرسمية، في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة النظام، كما هي الحال في محافظة السويداء. وهنالك أيضًا أهمية التفريق بين التركيبة القبلية والهوية القبلية، حيث إن التركيبة القبلية -كهيكلية وبنية- هي ما نشهد تراجعه حاليًا، أما الهوية القبلية -كعصبية ورابطة اجتماعية- فهي في حالة تنامٍ وصعود، بسبب الحاجة الملحة إلى الحماية والتكافل الاجتماعي، في ظل الحرب التي تعيشها البلاد. وعلى الرغم من حركات النزوح واللجوء التي وجهت ضربة قوية لتماسك بنية القبيلة وتوزعها جغرافيًا، فإن وجود الهوية القبلية سوف يسمح بإعادة إنتاج الهيكلية القبلية، عندما تتهيأ الظروف المناسبة من استقرار وحماية. أخيرًا، إن تركيبة المجتمع السوري الحالي لم تبتعد بجوهرها من مفاهيم الحياة القبلية القائمة على العصبية، وإعلاء شأن الجماعة على حساب الفرد، فحتى المناطق غير ذات التركيبة العشائرية، في بعض الأرياف والمدن، ما تزال تقوم على تركيبة عائلية، حيث تقلصت الهيكلية القبلية من القبيلة إلى العائلة التي هي أصغر وحدة في القبيلة، ولا شك في أن غياب حكم القانون والثقة بمنظومة تنفيذية وقضائية فاسدة ذات إجراءات ممطوطة، كانت أسبابًا أساسية للحفاظ على فكرة الجماعة، وحماية الجماعة بمقابل الفرد وحقوقه وحرياته.

أما عن علاقة القبيلة بالدولة، فبحسب ابن خلدون، وغيره من رواد علم الاجتماع الحديث مثل ديل إيخيلمان (Dale F. Eckelman) فإن هناك علاقة عكسية بين قوة الدولة المركزية وقوة القبيلة[5]. أي كلما ازدادت قوة الدولة؛ ضعفت القبيلة، وكلما ضعفت الدولة؛ ازدادت قوة القبيلة. في سورية اليوم، مع ضعف الدولة المركزية ببناها التحتية ومؤسسات حكمها، نرى صعودًا متجددًا في دور القبيلة، كتركيبة قادرة على توفير الحماية والخدمات (ولو بالحد الأدنى) لأفرادها، عن طريق منظومة الأعراف القبلية. أما أهم استخدام لتلك الأعراف، حاليًا، فهو ما توفره الصلحة القبلية من وسيلة لحل النزاعات، والحفاظ على تماسك البنية المجتمعية، من مزيد من الاقتتالات الداخلية، ومزيد من العنف والانتقام. وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى أهمية قوانين اللادولة (non-state laws) ونظرياتها القانونية[6] التي تؤسس للاعتراف بمنظومات قانونية تحت دولية موجودة بشكل طبيعي، في أي مجتمع من المجتمعات. الأعراف القبلية والقوانين الدينية وأعراف السكان الأصليين، وغيرها من الممارسات العرفية القانونية الموجودة في المجتمع، تندرج تحت هذا التصنيف. حيث إن من غير الممكن الاكتفاء بقوانين الدولة، وغض النظر أو حتى قمع المنظومة القانونية المجتمعية ككل، وتوفر أحيانًا درجات أعلى من الإحساس بالعدالة والجدوى. بما أن النظريات القانونية، على اختلافها، كلها تدور حول التفكير في سؤالين أساسيين: ما هو القانون؟ وما الذي يحمل الناس على الالتزام بالقوانين؟ فإذا كان هدف القانون هو تنظيم المجتمع وتوفير حياة آمنة تعترف بحقوق أفراده؛ فما الضير من وجود أكثر من منظومة قانونية معترف بها في الدولة الواحدة؟

لدراسة العشائر والقبائل السورية أهمية خاصة، ليس فقط لفهم هذه التركيبات المجتمعية الواسعة الانتشار في سورية، بل أيضًا كمقدمة لفهم المجتمع السوري ككل، وآليات عمله بين حالتي الدولة المركزية القوية واللادولة، وأيضًا لفهم علاقة المجتمع وأعرافه بالحكومة المركزية ومؤسساتها.

[1] أحمد وصفي زكريا، عشائر الشام، دار الفكر، دمشق- سورية، 1945: 34 – 40.

[2] لم يقم المكتب المركزي للإحصاء في سورية بأي إحصاء متعلق بالقبائل والعشائر السورية، وآخر إحصاء بهذا الشأن كان في عهد الانتداب الفرنسي على سورية.

[3] محمد جمال الباروت، التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، لبنان – بيروت، 2013: 54 – 62.

[4] مقابلات للباحثة مع عدة شخصيات من خلفيات قبلية.

[5] Eickelman, D.F., The Middle East and Central Asia: An Anthropological Approach, Upper Saddle River, N.J : Prentice Hall, 1998: 124; see also: Khoury, P.S., and Kostiner, J., eds., Tribes and State Formation in the Middle East, Berkeley: University of California Press, 1990; .ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، (732 – 808 هـ)

[6] Marc Hertogh, What is Non-state Law? Mapping the Other Hemisphere of the Legal World, University of Groningen- Faculty of Law, 2007.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق