أدب وفنون

قبل السبعين

استيقظتُ في الرابعة صباحًا، وهذا ليس حدثًا استثنائيًا، فمنذ ثلاث سنوات أنا أستيقظ من “عز النوم” كل ثلاث ساعات، استجابة إجبارية لضغط المثانة، فبعد تضخم البروستات، من الأفضل، للمصاب بها، أن لا ينام عند صديق أو قريب! الخيار الأمثل أمامه هو العودة إلى البيت، والادعاء أنه “بيتوتي”، أو النوم في فندق خمس نجوم أو أربع نحوم على الأقل، لضمان وجود حمام في الغرفة، كي لا يزعج الآخرين، حتى لو كانوا “ثوريين” وقالوا عكس ذلك. إذًا أصبحتم تدركون أن سبب استيقاظي ليس القلق من تدهور الوضع الأمني في مدينة إدلب السورية، نتيجة الاشتباكات بين الفصائل “الثورية” المسلحة، وما سبق ذلك، وأعقبه، من قتل للناشطين غير المتحزبين إلا لسورية حرة، واعتقال بعضهم. ولم يكن قلقي بسبب انسحاب القوات الأميركية من سورية، أو الصراع الأميركي الروسي، واحتمال توجيه ضربة عسكرية ساحقة لما تبقى من الثورة، بذريعة القضاء على الإرهاب الإسلامي، قبل الانسحاب الأميركي المزعوم من شمال شرق سورية. أقول ذلك كي لا أزاود على أحد، ممن يعتقدون أن كل أنشطة الإنسان السوري، وأحيانًا غير السوري، يجب أن تكون مرتبطة بالثورة، بما في ذلك ذهابه إلى الحمام. ببساطة، هناك أسباب أخرى لاستيقاظي، لا علاقة للقلق السياسي أو الاجتماعي بها.

في العشرين من كانون الأول، قبل قيامة السيد المسيح بخمسة أيام، قاهرًا الموت، وبين وجبتين لدودة الحرير من ورق التوت، كما قال أبي، وضعتني أمي بعد ولادتي، ليس في “مزود للدولاب” كما الطفل يسوع، ولكن ليس بعيدًا منه بأكثر من عشرة أمتار، قرب كومة “كرينات” لدودة الحرير. كان ذلك في سورية عام 1949. أما في عام 2018، في كندا، فقد قبرت عامي التاسع والستين بكل رفاهية، وفي اليوم التالي، فتحت باب السبعين على مصراعيه، من دون خوف أو قلق، وبما أن المناسبة “التاريخية” لن تمر مرور الكرام، ويجب أن أكسب من ورائها بعض الهدايا، وإن كانت معنوية، قررتُ، بيني وبين نفسي، أن أحسّن سلوكي وعلاقاتي مع أفراد أسرتي، ففي السنوات الأخيرة زادت مناكفتي لهم، وأصبح صوتي يرتفع لأتفه الأسباب، متهمًا الجميع بقلة الوفاء، كما يحدث في أوساط “الثوار”، وقد وتّر ذلك الأمر علاقتنا، ورجحتُ أن سبب سلوكي الأعوج معهم هو مرَض يرتبط بالعمر، مرض شقيق لمرض البروستات، وبما أن أفراد أسرتي هم من سيقدمون الهدايا لي، فلا بد من حل العقدة الأصعب: زوجتي، لأنني لن أستطيع خداعها بسهولة، وتصريحي بذنوبي، في عيد ميلادي السبعين، لا يمكن أن يغطي سلبيات 39 عامًا من الحياة المشتركة “بالإكراه”، فهي تعرفني، كخطيبة وكزوجة، ومن الصعب إثارة عواطفها أو تليين موقفها مني، إذا أخدنا بعين الاعتبار حزمة القوانين الكندية التي تستند إليها، وخاصة أنها فعلت ذلك سابقًا، خلال سنوات عيشنا معًا، عشرات المرات، فاستنفدتُ كل الفرص المتعلقة بالخُدع العاطفية والحياة المشتركة والأولاد وأقوال المجتمع وغيره، وبالتالي لا أمل عندي في كسب ودها بسهولة، أو على الأقل تحييدها، وقد استسلمت لقدري هذا؛ لأن جميع عناصر قوتي وتفوقي قد خسرتها، بمجرد وصولي إلى الغرب، هذا الغرب الذي لا يرحم “عزيز قوم ذل”، وخاصة إذا كانت المواجهة بين هذا “العزيز” وامرأته.

كسبُ الأولاد كان سهلًا، وعلى الرغم من أنهم لا يعانون مثلي من عقد المرأة والرجل، لأنهما وُلدا في هذا الغرب، فإن تسلل بعض الجينات “الذكورية”، ذات الصبغة العربية إليهما، سهّل تعاملي معهما، فاحتفظا لي بمقدار من الودّ والحب، جعلهما يستسهلان تقديم بعض الأموال لي، على شكل هدايا، وهذا ما أفرحني فعلًا، وأعطاني مادة للافتخار “وشوفة الحال” على بعض العجائز الذين أعرفهم. كان الغداء الفاخر الذي قدمه ابني الكبير مادة مهمة لإغاظة زوجتي، والتلويح لها بأنه يحبني أكثر منها، أما الهدية الأكبر التي خفت من نتائجها على زوجتي، فكانت هدية ابني الصغير الذي أعلن تبرعه لي بنصف قيمة بطاقة السفر إلى إسطنبول، لأباشر عام 2019 من عاصمة العالم القديم، ومن أجمل مدن العالم، مرددًا من دون ملل تحريفي لقول زهير بن أبي سلمى: لم أسأم تكاليف الحياة، ومن يعش سبعين عامًا (بعضها في إسطنبول)، لا أبا لك يسأم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق